نذير حمدان
214
حكمة القرآن والحضارة
ويمثل الشاطبي « 1 » للوسطية بالتكاليف الشرعية المختلفة ويقول مؤكدا على التوازن والاعتدال ومنبها إلى طرق معرفة الوسطية : الشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على الطريق الوسط الأعدل ، الآخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه ، الداخل تحت كسب العبد من غير مشقة عليه ولا انحلال ، بل هو تكليف جار على موازنة تقتضي في جميع المكلفين غاية الاعتدال كتكاليف الصلاة والصيام والحج والجهاد والزكاة وغير ذلك . . . . فإذا نظرت في كلية شرعية فتأمّلها تجدها حاملة على التوسط ، فإن رأيت ميلا إلى جهة طرف من الأطراف ، فذلك في مقابلة واقع أو متوقع في الطرف الآخر . فطرف التشديد - وعامة ما يكون في التخويف والترهيب والزجر - يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الانحلال في الدين . وطرف التخفيف - وعامة ما يكون في الترجية والترغيب والترخيص - يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد ، فإذا لم يكن هذا ولا ذاك رأيت التوسط لائحا ، ومسلك الاعتدال واضحا ، وهو الأصل الذي يرجع إليه والمعقل الذي يلجأ إليه . وعلى هذا إذا رأيت في النقل من المعتبرين في الدين من عن التوسط فاعلم أن ذلك مراعاة منه لطرف واقع أو متوقّع في الجهة الأخرى ، وعليه يجري النظر في الورع والزهد وأشباههما ، وما قابلها . والتوسط يعرف بالشرع وقد يعرف بالعوائد وما يشهد به معظم العقلاء كما في الإسراف والاقتار في النفقات . الوسطية بين طرفين أو أطراف : - إن الوسطية خير كما قال الرسول في الأمور ذات الطرفين والوسط ، فإذا انعدمت الوسطية وبقي الأمر أو المسألة بطرفين فقط فلا تتعلق الخيرية بوسط معدوم إذ لا يتعلق الحكم بالعدم . ومن المسائل أو القضايا التي لا توسط فيها القيم المطلقة مثل : الحقّ وله طرف واحد يقابله هو الباطل ، والخير له طرف مقابل واحد هو الشر ، والجمال طرفه القبح
--> ( 1 ) الموافقات من 2 / 68 - 163