نذير حمدان

213

حكمة القرآن والحضارة

الفرد في خدمة الجماعة ، وتقرر من التكاليف والواجبات ما يجعل الفرد خادما للجماعة ، والجماعة كافلة للفرد في تناسق واتساق . ( أُمَّةً وَسَطاً ) في المكان ، في سرّة الأرض ، وفي أوسط بقاعها ، وما تزال هذه الأمة التي غمرها أرض الإسلام إلى هذه اللحظة هي الأمة التي تتوسط أقطار الأرض بين شرق وغرب ، وجنوب وشمال ، وما تزال بموقعها هذا تشهد الناس جميعا ، وتشهد على الناس جميعا ، وتعطي ما عندها لأهل الأرض قاطبة ، وعن طريقها تعبر ثمار الطبيعة وثمار الروح والفكر من هنا إلى هناك ، وتتحكم في هذه الحركة ماديّها ومعنويّها على السواء . ( أُمَّةً وَسَطاً ) في الزمان تنهى عهد طفولة البشرية من قبلها ، وتحرس عهد الرشد العقلي من بعدها ، وتقف في الوسط تنفض عن البشرية ما علق بها من أوهام وخرافات من عهد طفولتها ، وتصدّها عن الفتنة بالعقل والهوى ، وتزاوج بين تراثها الروحي من عهود الرسالات ، ورصيدها العقلي المستمر في النماء وتسير بها على الصراط السوي بين هذا وذاك « 1 » . . . . . . ووجه الرسول إلى أعظم أمور الوسطية في الذات والعلاقات حين سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جلساءه : أي عرى الإسلام أوسط ؟ قالوا : الصلاة ، قال : حسنة وما هي بها ، قالوا : الزكاة ، قال : حسنة وما هي بها ، قالوا : صيام رمضان ، قال : حسن وما هو به ، قالوا : الحج ، قال : حسن وما هو به ، قالوا : الجهاد ، قال : حسن وما هو به ، قال : إن أوسط عرى الإيمان أن تحب في اللّه وتبغض في اللّه « 2 » . ووسطية الشريعة عدلا وخيارا تبوئ أهلها أرفع مكان في الجنة . . . . فإذا سألتم اللّه عز وجل فسلوه الفردوس الأعلى فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة ، وفوق عرش الرحمن عز وجل ، ومنه تفجر أو تنفجر أنهار الجنة « 3 » .

--> ( 1 ) ظلال القرآن . ( 2 ) أحمد 4 / 286 . ( 3 ) أحمد 2 / 335 ، 339 .