نذير حمدان
212
حكمة القرآن والحضارة
فقد اتخذ علماؤنا هذا الحديث قاعدة كبرى لوسطية الخير بين طرفي الشر ، ومثّلوا لذلك بالفضائل جميعها ، فالشجاعة كما أشرت فضيلة بين رذيلتين الجبن والتهوّر ، والجود فضيلة بين نقيصتين : الشحّ والإسراف ، والزواج فضيلة بين شرّين العزوبة وانتهاك الأعراض والتوحيد فضيلة بين إثمين : الإلحاد والشرك ، والعدل فضيلة بين الظلم والتشدد . وبالحقّ فإن الحديث قاعدة أساسية في المقياس الدقيق بين الأمور : في الاعتقاد والشعور والتنظيم والعلاقات والمكان والزمان والمصير فقد جعلهم اللّه أمة وسطا في كل شيء وجعل خير الأمور أوساطها . ( أُمَّةً وَسَطاً ) في التصور والاعتقاد ، لا تغلو في التجرد الروحي ولا في الارتكاس المادي ، إنما تتبع الفطرة الممثلة في روح متلبس بجسد ، أو جسد تتلبس به روح ، وتعطي لهذا الكيان المزدوج الطاقات حقه المتكامل من كل زاد ، وتعمل لترقية الحياة ورفعها في الوقت الذي تعمل فيه على حفظ الحياة وامتدادها ، وتطلق كل نشاط في عالم الأشواق وعالم النوازع بلا تفريط ولا إفراط ، في قصد وتناسق واعتدال . ( أُمَّةً وَسَطاً ) في التفكير والشعور . . . لا تجمد على ما علمت وتغلق منافذ التجربة والمعرفة . . ولا تتبع كل ناعق ، وتقلد تقليد القردة المضحك إنما تستمسك بما لديها من تصورات ومناهج وأصول ، ثم تنظر في كل نتاج للفكر والتجريب ، وشعارها الدائم : الحقيقة ضالّة المؤمن أنى وجدها أخذها ، في تثبت ويقين . ( أُمَّةً وَسَطاً ) في التنظيم والتنسيق ، لا تدع الحياة كلها للمشاعر والضمائر ، ولا تدعها كذلك للتشريع والتأديب ، وإنما ترفع ضمائر البشر بالتوجيه أو التهذيب ، وتكفل نظام المجتمع بالتشريع والتأديب ، وتزاوج بين هذه وتلك ، فلا تكل الناس إلى سوط السلطان ، ولا تكلهم كذلك إلى وحي الوجدان ، ولكن مزاج من هذا وذاك . ( أُمَّةً وَسَطاً ) في الارتباطات والعلاقات ، لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته ، ولا تتلاشى شخصية الجماعة أو الدولة ، ولا تطلقه كذلك فردا جشعا لا همّ له إلّا ذاته ، إنما تطلق من الدوافع والطاقات ما يؤدي إلى الحركة والنماء ، وتطلق من النوازع والخصائص ما يحقق شخصية الفرد وكيانه ، ثم تضع من الكوابح ما يقف دون الغلو ، ومن المنشطات ما يثير رغبة