نذير حمدان
21
حكمة القرآن والحضارة
العلوم النظرية على الفلسفة ، ويتبع هذا إن العلوم العملية إذا حققت مفهوم الحكمة فإنها تفترق عن الفلسفة باختصاص هذه بالعلوم العقلية واختصاص الحكمة ( بالعلوم العملية ) . كما يغلب على الحكمة القديمة اقترانها بالعلوم المختلفة وبخاصة الطبية والرياضية « 1 » ، والحكيم وصف مقبول عموما حيث يلتزم بالمضامين الشرعية واعتبار الوحي والنبوة أهم مصادره بينما الفيلسوف يمكنه في الغالب أن ينأى قليلا أو كثيرا عن مثل هذه المصدرية . ونفصّل الكلام نوعا على أبرز الفروق الأسلوبية التعبيرية . إن الحكمة قد تصاغ بلغة شعرية ومجازية وأسطورية مختلفة عن لغة المقال البرهانية ، فهي لا تقيم وزنا للطريقة الاستدلالية ، ولا تقيم حقائقها بالمنطق الصارم القياسي . وإن الأصول مشتركة في التفكير الفلسفي والحكمي ، بيد أن طريقة النظر والاستكناه الروحي مختلفة وكذلك الاختلاف في الغاية ، فإن الفلسفة اليونانية في معظم عصورها ومدارسها ترف ذهنيّ ولمجرد النظرية الفلسفية ، ولذا أحيطت الحكمة بإطار أوسع معنى وأكثر إبهاما من ( الفلسفة ) المحددة بتاريخها العقلي والمنهجي والزماني منذ اليونان إلى اليوم . وإذا قدمت اللغة اليونانية المصطلح الجديد ( الفلسفة ) بعد أن لم يكن فإنه قد يطلق عليها الحكمة أحيانا كما يطلق على فلاسفتها بالحكماء محتفظين بالمنهج الفلسفي الخاص بهم مع أن تفكير الناس قبل اليونان كان تفكيرا فلسفيا وحكيما ، فقد سبقت الحكمة البابلية وغيرها ( المشرقية ) عموما الفلسفة اليونانية بقرون كثيرة حسب ما جاء في تاريخ الفكر السوري والمصري والعراقي والصيني والهندي . ويغلب أن تكون المسألة اصطلاحية أقرب مما تكون معنوية فكرية مع اختلاف في الرؤى من حيث الشمول ، ومن حيث الطريقة والأسلوب ، ومن حيث التصاقها بالجذور الوثنية أو تعبيرها عن المطلق والقيم ، والتوسع فيها حتى تشمل المجردات والعقليات الدنيا والعليا سواء تجردت من رواسب الوثنية أو التصقت بها أو تطورت من مرحلة الوثنية المادية إلى التجريدية ، أو تحولت من الطقوس الأسطورية إلى ممارسات روحية وعملية حتى صارت تلك الآراء والمذاهب مع تباعد الزمن صورا فكرية منطقية ورمزية ، وربما أخذ بها
--> ( 1 ) انظر ابن خلدون في : إبطال الفلسفة ومنتحليها ، وابن تيمية في الفتاوى والرسائل ، والغزالي في المنقذ والإحياء .