نذير حمدان

206

حكمة القرآن والحضارة

وضرورة الالتزام بالوسط خير وبرّ لأن التشدد في الأمور مثل التسيب فيها ( فإن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ) « 1 » مثل ضرورة تغلغل الوسطية شعاب الحياة جميعها التي لا تنتظم إلّا بها ولا تثمر إلّا في أرومتها الحية ، وفي هذا خير عميم شامل . ومن ناحية ثانية فإن التوسط ( العدل ) والحكمة متناسبان متناظران متعادلان باعتبار أن العدل في الأشياء يحقق التعادل فيها والموازنة بينها ، وعلى هذا فلا بدّ من تعادل بين الحق والواجب ، والأخذ والعطاء ، والعقوبة والجزاء ، وبين العمل وقيمته ، وبين حسنة الدنيا وحسنة الآخرة . والوسطية بمعنى العدل أو التوسط في الأمور قيمة حقوقية حكمية مستوعبة الحق والخير والجمال والعمل ، وهي الحكمة ذاتها التي تأسست عليها قواعد الحياة خلقا ومنفعة وجمالا ، فبالعدل قامت السماوات والأرض ، وعلى الحكمة اتسقت أجرامهما وتناسقت نشاطاتهما حياة وأحياء . والوسطية التي تدل على الحكمة تصورا وعملا لا تقتصر على الفعاليات الهادئة والنشاطات المسالمة فإن في الثبات على الحق والانتصار له حكمة ووسطية ، وفي الحزم عند الأحداث وتجاوز التقلبات والقلاقل حكمة ووسطية أيضا وذلك لاتخاذ القرار الحاسم في الأزمات بعد المقايسة والمناظرة . ويمتدح كثير من الناس فئات وسياسات الوسط ، وإذا إنها فلسفة لهم في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فإن اتخاذها منهجا للعمل قائم على تصور نظري في التطلع إلى الحل الوسط والموقف الوسط ، حتى إن العرف الاجتماعي العام يثني على الإنسان الذي ينهج في حياته أوساط الأمور في العادات والهيئات والعلاقات الشخصية الاجتماعية ويعتبر من الحكماء ، ومن ذلك مثلا الاعتدال في الطعام والشراب والإنفاق والمعاملات ، وإسداء الرأي والنصيحة الحكيمة ، والتوجه للتوفيق بين الخصوم والمنازعة ، إنها

--> ( 1 ) مقطع من حديث وتمامه : إن هذا الدين متين ، فأوغل فيه برفق ، فإن المنبت . . . قال المناوي 2 / 544 : رواه البزار في مسنده عن جابر ، قال الهيثمي في المجمع : وفيه يحيى بن المتوكل أو عقيل وهو كذاب . إ . ه . ورواه البيهقي في السنن من طرق وفيه اضطراب ، ورجح البخاري في التاريخ إرساله . أما من حيث المعنى فهو صحيح الدلالة والحكمة .