نذير حمدان
207
حكمة القرآن والحضارة
حكمة واقعية تعتمد على منزع ( توسطي ) حكيم . وإن توظيف الوسطية والحكمة في شعاب الحياة وما وراء الحياة وفي الدنيا والآخرة يؤكد على دعامات معنوية راقية حكيمة متوسطة في كل مسألة من مسائل الوجود الحاضر والغيبي . ولأبي يعلى بسند رجاله ثقات : إن لكل شيء طرفين ووسطا ، فإذا أمسك بأحد الطرفين مال الآخر ، وإذا أمسك بالوسط اعتدل الطرفان ، فعليكم بالأوسط من الأشياء « 1 » ، ويستشهد السخاوي على صحة المعنى بقول اللّه وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ ( الإسراء 29 ) وبقوله لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ( الفرقان 67 ) ، وبقوله إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ ( البقرة 68 ) وهي الشابة عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ . وأنشد بعضهم : عليك بأوساط الأمور فإنها * نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا وقال آخر : حب التناهي غلط * خير الأمور الوسط وفسر الرسول صلى اللّه عليه وسلم قوله : جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ، بالعدل « 2 » . وقال الطبري : الوسط في كلام العرب الخيار . . . . ثم قال : الوسط في الآية ( البقرة 143 ) : الجزء بين الطرفين « 3 » . . . . قال ابن حجر : ولا مغايرة بين الحديث وبين ما دلّ عليه معنى الآية « 4 » . الوسطية في القرآن : والقرآن يتحدث عن الوسطية أيضا ، من ثلاثة أركان أو أنحاء متداخلة : الفرد الوسط ، والأمة الوسط ، والشريعة الوسط .
--> ( 1 ) المقاصد الحسنة ( 455 ) للسخاوي . ( 2 ) أحمد 3 / 32 . ( 3 ) البخاري تفسير ( 4487 ) . ( 4 ) فتح الباري 8 / 173 .