نذير حمدان

198

حكمة القرآن والحضارة

فأنزل اللّه قوله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ( الحج 11 ) « 1 » . ه - التجربة السياسية : وهي عديدة تمثلت في إرسال البعوث داخل الجزيرة وخارجها ومن أشهرها وأقدمها الهجرة الأولى للحبشة وكان في مقدمتها جعفر بن أبي طالب قد عرف منها موقف النجاشي من الطليعة المؤمنة حيث كانت خطبته بين يديه أقدم إعلام دعوى خارجي مؤثر ، ومن ثم ردّ النجاشي الخبير بالبعثة النبوية الصادقة وتسفيه عمرو بن العاص وعمارة بن أبي معيط حينذاك وإرجاع هدايا مكة إليها حتى نزل قوله إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ( آل عمران 68 ) « 2 » . و - التجربة المالية : وهي تجربة جاهلية مقترنة بالرعاية وحسن التصرف المالي الذي يراد منه حفظ المال وعدم تبديده وصونه من العبث والطيش مع الحدب على اليتيم ومستقبله ، وسماه القرآن ابتلاء ( اختبارا ) باعتباره واقعا على اليتامى إلى أن يبلغوا الحلم ( النساء 6 ) وهذا يعني أنه لا بدّ من امتحان اليتيم ونجاحه في هذا الامتحان حتى تزول عنه الوصاية القضائية . وبذلك يجتمع حفظ المال وحفظ النفس . روي عن إبراهيم النخعي : حكّم اليتيم كما تحكّم ولدك ، أي امنعه من الفساد وأصلحه كما تصلح ولدك وكما تمنعه من الفساد ، ومعناه : حكّمه في ماله وملكه إذا صلح كما تحكّم ولدك في ملكه « 3 » . على أنه ليس المقصود من حفظ المال الوقوف عليه وحراسته من العوادي وحفظه من التلف وحده وإنما تنميته وتشغيله في أعمال اجتماعية نافعة للجميع وعدم تبديد أصله واستغراق كثير منه في الواجبات الدينية كالزكاة والمعاشية كالنفقات المعتادة . ولا بدّ من أن تكون يد الوصي عليه يد خبرة في استثمار المال ، ويد أمان تصونه أصلا وربحا . فإن عائداته عند تشغيله قد يفيد

--> ( 1 ) الواحدي 231 ، وانظر روايات أخرى في ابن كثير عند البخاري وغيره . ( 2 ) الواحدي مختصرا 75 . ( 3 ) لسان العرب .