نذير حمدان
196
حكمة القرآن والحضارة
في النفس ، وهذا ما وضح في سورة لقمان الآيات ( 12 - 19 ) وبيّن القرآن أن عظاته نابعة من الحكمة فهي عظة حكيم مجرب ، وذلك على الرغم مما قيل عن لونه وطوله وعمله وبساطة حياته ، وإذ كان من ( النوبة ) فإن تصدير العظات بخطاب ابنه وحده يدلّ على رعاية خاصة واهتمام أبوي كبير سجلت مصنفات الحديث بعضها إلى جانب ما ذكره اللّه عنه في سورته . ثانيا : في العهد النبوي : فمن خلال القرآن أصدق وثيقة تسجيلية حيّة في السيرة النبوية قبل البعثة وبعدها يمكن أن نتعرف على نماذج كثيرة من الخبرات النبوية الاجتهادية وغيرها . وهي في معظمها تقوم على الحوار والشورى يحضّ الرسول عليها للإفادة منها حتى تكتمل حكمة الإنسان وتجنبه عثراتها ، فلا ينبغي أن يلدغ المؤمن من جحر مرتين ، ولا حكمة بغير تجربة ، ولا تجربة بغير منفعة . أ - التجربة والخبرة المتكررة والثابتة : ففي مطلع البعثة أمر اللّه نبيّه بإنذار عشيرته الأقربين ( الشعراء 214 ) ، وبعد أن نادى الرسول صلى اللّه عليه وسلم قومه وسألهم عن نفسه في كل قول وإعلام وبخاصة حين ينذرهم بالخيل الغازية ، فأجابوه بتكرار التجربة وإشاعتها : ما جربنا عليك كذبا ، هكذا بلفظ ( ما جربنا ) . ولكن عمّه أبا لهب اعترضه بقوله : تبا لك ألهذا جمعتنا . فأنزل اللّه عليه سورة ( المسد ) « 1 » . وحين سأل هرقل أبا سفيان : فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قال : لا . فقال هرقل فيما بعد : فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على اللّه . . . وفي رواية البخاري أيضا أنه قال لعظماء الروم حين رأى نفرتهم وأيس من الإيمان ، إني قلت مقالتي آنفا ( أختبر ) بها شدّتكم على دينكم ، فقد رأيت . . . . « 2 » لاحظ قوله : أعرف - وأختبر - ورأيت ، الدالة على تجارب دينية ودنيوية ومع الناس ، ومثلها ولكن بشكل عملي واقعي خبر ذلك اليهودي - وقوله للرسول صلى اللّه عليه وسلم : إنكم لمطل يا بني
--> ( 1 ) البخاري سورة المسد ومسلم إيمان . ( 2 ) البخاري بدء الوحي .