نذير حمدان
195
حكمة القرآن والحضارة
والغيرة على قومه لخلاصهم من طغيان فرعون ومحاولة للاستقرار بهم ولكنهم كانوا دوما يناهضون ويعارضون . ز - الخبرة التعليمية الذوقية : وهي أسمى من الخبرة العادية باعتمادها على صفاء النفس ونقاء الضمير وسلامة القلب ولا تحتاج إلى شطحات ووثبات خارجة عن موازين الشرع ومقاييس المنطق . وأشهر نماذجها ما وقع لموسى مع الخضر عليهما السلام ( في سورة الكهف ) . فهي خبرة بصريح قوله ( خبرا ) من : خبره ، خبرا وخبرة : بلاه كاختبره ( القاموس ) ، وهي تعليمية بصريح قوله ( عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ ) فهي خبرة تعليمة وتعليمية . وهي ذوقية بصريح قوله ( وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ) التي جعلها الغزالي وغيره قاعدة في العلم التجربي الخاص ، وكذلك بدلالة قوله ( رشدا ) وتكرار المستوى العلمي السامي الذي لا يقدر عليه كل أحد ( لن تستطيع معي صبرا ) . وإذ هي قائمة على الحوار قوام النجاح في أية عملية تعليمية فإنها أغنى أسلوب تربوي وأيسره في إيصال الحقائق الفكرية ، وبذلك اجتمع لهذه الخبرة : الغنى التربوي والسمو الروحي . ح - التجربة الوقائية الخالدة : وهي التجربة التي أمسك بها ذو القرنين القائد الحكيم الذي اتسعت فتوحاته شرقا وغربا ، وفي أعمال الأرض ، وآخرها ما قام به من بناء السدّ الواقي الذي يحمي الضعفاء من عدوان الأقوياء ، وهو سدّ بين مياه بحر قزوين وجبال القوقاز ما تزال آثاره ماثلة للعيان ، قد أخضعه للتجربة على أن ينقبوه أو يخترقوه فلم يستطيعوا حينذاك فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً ( الكهف 97 ) ، إن ( كوروش ) العيلامي باني السد ومن بعده ب 1000 عام ( أنو شروان ) الذي أمر ببناء جدار التحم تماما بجبال القوقاز يؤكد على متانة هذا السد الذي أقيم لإيقاف القبائل المتوحشة ، ينبه إلى القدرة الهندسية الفائقة التي حافظت عليه حتى الآن « 1 » . ط - التجربة الوالدية العاقلة : وأطلعنا القرآن على نموذج رائد منها وهي تجربة لقمان الحكيم مع ابنه التي سماها القرآن عظة ( وهو يعظه ) باعتبار أن هذه العظة خلاصة تجارب وخبرات طويلة آثر فيها ابنه ، فإذا قدمت هذه التجارب بالأسلوب الواعظ فإنها خير مؤثر
--> ( 1 ) انظر فيه تفصيلات وافية في كتابي : الظاهرة الجمالية في القرآن الكريم .