نذير حمدان

193

حكمة القرآن والحضارة

إنها خبرات ووقائع تجريبية تعليمية تضعنا أمام ألوان شتى يمكن تصنيفها إلى خارجية وعامة وخاصة وذوقية وفردية ونوعية . . . . . أولا : من خلال التاريخ : وهي وإن حدثت عبر التاريخ القديم فإن إمكان وقوع نظائرها متجدد ومحتمل في كل زمان ومكان ، ويمكن إبراز ألوان منها فيما يلي : أ - الخبرة التعليمية الأولى : وهي واضحة في قصة الخليفة الأول آدم عليه السلام حين سألت الملائكة ربّها عن حكمة خلق الإنسان ، ولكي تظهر هذه الحكمة وتنجح الواقعة ، أجرى اللّه له عملية تعليمية واسعة ، فعلّمه الأسماء كلها وحين عجز الملائكة عن معرفة أسماء الأشياء بعد عرضها عليهم أنبأهم بأسمائهم فقال اللّه لهم أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( البقرة 30 - 33 ) ، إن آدم مجال الواقعة أو الخبرة التي ظهرت حكمتها الإنسانية في استعداد الإنسان للتعلم والتعليم ومن ثم لإعداده للخلافة الحقّة . ب - الواقعة بالقدرة المعجزة : وتظهر بخوارق كثيرة : منها ما طلب اللّه من إبراهيم عليه السلام أن يأخذ أربعة من الطير يأنس إليها وبعد مزجهن ببعض يجعل على كل جبل منهن جزءا ثم قال له ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( البقرة 260 ) فالصورة الظاهرة أقرب ما تكون إلى صورة التجربة التي يقع أمثالها ونظراؤها وصفا وعملا مع فارق كبير أنها معجزة اللّه التي يراد من حكمتها التي صرح بها أخيرا أن يطمئن قلبه ويرتاح عقله ، فيتأكد له وقوع الايمان باليوم الآخر من خلال تجربة مستقصية . لاحظ الألفاظ : خذ - اجعل على - أدعهن . . . . « 1 » وأخيرا وصف فيها اللّه ذاته بالحكمة في نهاية الآية . ج - التجربة العسكرية السياسية الخبيرة : وتبدو في تقديم تجربة ملكية بين ( زليخا ) وسليمان عليه السلام حين أرادت أن تقدم له هدية تجرب بها صموده وثباته من إغرائه وميله ، وقالت هكذا بالصراحة القرآنية وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ( النمل 35 ) ، وبالتعبير التجربي ( فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) ، وذلك بعد أن

--> ( 1 ) وانظر مثلها موقف صاحب القرية من عملية الإحياء في ( حماره ) التي ضمت عظامه وإكسائها اللحم وإعادة الحياة لها ( البقرة 259 ) .