نذير حمدان
179
حكمة القرآن والحضارة
يعني إمكانية تعدد المواقف وفق الاختيار الاختباري ، ولو أن اللّه دفع الإنسان للإيمان دفعا وألزمه به إلزاما لما ظهرت حكمة الإنسان ، ولا وضحت مواقفه من الخير والشر والحق والباطل . فهي قيمة مبدعة دافعة منظمة حضارية هامة . - العمق الحكمي النظري والعملي لفهم الدور الحقيقي للإنسان في تأسيس الحضارة وتفعيلها : وهذا يعني أولا ضرورة قيادة علمية فكرية إلى جانب قيادة سياسية راشدة هما النخبة الكفائية للتطور الحضاري لتطبع الأمة آثارها في التاريخ فيفيد منه المعاصرون ومن بعدهم ، حيث تحتضن الحكمة في معارفها وفنونها وسياساتها ، الحكمة الحقّة وليست حكمة الإعلام والشعارات . فإن المثل الحي والتاريخي والذهني يدفع إلى متابعة الآباء والاغتراف المفيد من التاريخ وليس مجرد التغني بالأمجاد التي قد تعوّد على الاسترخاء والتكاسل ، وبهذا يدفع إلى القدوة الصالحة ، والاحتذاء الواعي ، وإذا كان مثل المثل في مصدرية الحكمة ، اللّه فإن تخليص الدوافع من الأغراض وتنزيه النيات والعزائم من المآرب الشخصية البحتة يربي في النفس الضمير الصادق ويحركه في مجالات البرّ والإحسان ويستخلص منه أعماله ويمحصها للقيم السامية ، ويحفزه للبناء الحضاري والعمل النافع لصالحه وصالح مجتمعه ، ويطور هذا العمل للأفضل والأكمل . - ومن العمق النفسي استعداد الإنسان للافتتان في سبيل دينه والذود عن حرماته ، وهذا يدلّ على تفضيل المعنويات على الماديات حين التعارض ، وبذل التضحيات عند الضرورات والتحديات ، فلا بد مما ليس منه بدّ ، والإيمان ليس قولا مجردا ولا دعوى عريضة وإنما هو تبعة مسؤولة وموقف صادق نابع من العقل والقلب مؤثر في المظهر والسلوك والعلاقات ، متحمل لأحداث الاختبار والافتتان حين يصدّ عنه ويقهر عن التزامه في قديم الزمان وحاضره ومستقبله . وسورة العنكبوت جميعها تنوه بهذه التربية الممتحنة وبخاصة في مطلعها ( 1 - 3 ) وفي نهايتها عند مواطن التربية الجهادية العامة وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ . - ومن العمق النفسي أيضا جهاد الأعداء بهذه النفسية الصالحة المصلحة المؤدبة ، العقلي ، والعاطفي والبدني الخيّر فلا يعتدون ولا يظلمون ولا يستغلون ولا يكرهون ، فقد محّض القرآن