نذير حمدان
180
حكمة القرآن والحضارة
أهدافهم للّه ، ومحّصت الغزوات الإسلامية نفوسهم من عوامل الخور في الهزيمة وعوامل الاستعلاء والاستكبار في النصر . فقد ابتلى المسلمون في غزوة أحد ، وخسروا معركتها من الناحية العسكرية الظاهرة ( آل عمران 139 - 142 ) ولكنهم ربحوا قدرة نفسية فائقة على حبّ الجهاد وخوض غماره مرات أخرى ، وتأييد اللّه لهم بالنصر وإن كانوا قد زلزلوا كثيرا وابتلوا شديدا في غزوة الأحزاب ( الأحزاب 11 ) . إن الجهاد من أدق مواطن الاختبار وألصقها بالنفسيات من قبل أن تكون عمليات قتالية وما قد ينتج عنها من آثار الظفر والهزيمة ، فلا يبطر المجاهدون بالنصر ويستغلونه ، ولا ييأسون من الهزيمة ويذلون ، ولا يتعاملون مع الآخرين بالمؤثرات القتالية ونتائجها ، وهو أقرب أن يكون جهاد دعوة وبيان رسالة من أي اعتبار آخر . إن حضارة القرآن تعلّم المسلمين كيف يعاملون بعضهم بعضا ويعاملون غيرهم في السلم والحرب وتغرس في أعماقهم حب الخير وإرادة الحق وتدفعهم إلى العمل لخير الإنسانية حتى يفوزوا فيما اختبرهم اللّه فيه وفيما امتحن قلوبهم للتقوى . - المحك الناجح بالقيم الثابتة كالحق والخير والجمال والعمل : وهذه نتيجة لما سبق إذ إن الإنسان يصحح مسار حياته وفقها ، ويؤسس علاقاته مع الناس على أساسها ، وتتميز شخصيته بالتبعية لها وليس للتقليد الأعمى ، وتثير في نفسه حوافز صادقة لأن يعمل للحضارة الإنسانية من خلال عمله بالحضارة القرآنية ، فيحذف كل ما يعاكسها ، ولا يتعامل مع الباطل ولكنه يوجه المبطلين ، ولا يوالي الأشرار ولكنه يتعايش معهم يحاول تخليصهم من شرورهم ، ولا ينحدر مع الهابطين في الجمالية ولكنه يسعى إلى تصعيد فنونهم ومدّ آفاقهم وتوسيع ميادين معارفهم . إنه مع العمل المشروع والعمال الشرفاء الذين يبنون المجتمع بعقولهم وسواعدهم ، ويرفعون مستوياته بوعيهم وآمالهم ، وعندئذ فلا تبقى هذه القيم في إطار نظري فقط وإنما تمثل في واقع الحياة والأشخاص والممارسات ، ويصبح الاختبار طاقات متجددة النشاط شامل الأبعاد ممتد الآفاق واقعي الممارسات مقصود الغايات . وهذه العموميات هي مقاييس يمكن أن تقاس بها وعليها معظم المسائل المتفرقة والحوادث اليومية الدائمة .