نذير حمدان
171
حكمة القرآن والحضارة
- فالحكيم يتصرف في الواقع العملي بصورة يحبّ اللّه فيها عبر الناس ، فهو متواضع إزاءهم ، ومتسامح ( لأنه يعرف الجبرية الكلية التي تجعله يفهم أخطاءهم ) ، كما أنه لا يحمل احتقارا أو ضغينة ، ويخضع دون نقاش - من الناحية الاجتماعية - للقوانين السياسية ، فهي صدى الضرورة الإلهية طالما أنها لا تقود الناس على الأقل إلى الانقسام والحقد ( ص 55 ) . - وفي السلوك الحكيم يقوم على الإفلات من هذه الدائرة الجهنمية ( الآلام التي تتجلى من غيبية الموجودات ) . . وذلك عن طريق الفن أولا ، فالفن هو تأمل العالم بصورة مجردة عن الفرص ولكن الطريق الأجدر بالاعتبار هو الرحمة ، فهي التخلي عن الذات ، أو بتعبير آخر : إدراك التطابق العميق للكائنات ( ص 60 ) . - وإلى الأعلى من الأخلاق العملية تقع الحياة التأملية التي لا يمكن بلوغها إلا للحكيم وحده ، وتقوم على الانصراف إلى الفكر المحصن ، وإلى المعرفة النقيّة من كل شوائب الاعتبارات الأرضية . . . وهي الوسيلة التي يقترب بها الإنسان من الإله ، و " يخلّد " نفسه ما أمكنه الخلود خلال وجوده على قيد الحياة ( ص 42 ) . فاتفاق الإرادة مع ذاتها وثباتها الداخلي العقلاني يشكّلان ماهية ما يفرق بين الحكيم والشخص العادي البسيط ( ص 45 ) . . . . إن حكمة القرآن الجامعة لإنسانيتها خير معلّم للمسلمين وغير المسلمين وفي جميع العصور والأجيال ، فهي ذات آثار فكرية وحضارية تألّقت في المصنفات الكثيرة عبر التاريخ ، وما تزال آثارها الفكرية والعملية منارات هادية لأرباب العقول والأفهام ، ورواد الحضارة الإنسانية على اختلاف وجهاتها ومنطلقاتها ومظاهرها ، وبخاصة الركن الأهم في التعامل والعلاقات .