نذير حمدان

172

حكمة القرآن والحضارة

حكمة الاختبار . . . والقرآن في طبيعة الاختبار وأهميته : إذا كان في معاهد التعليم اختبار وتقويم ، وفي مدارس الحياة امتحان وتقدير فبمقتضى ذلك لا بدّ من أن يكون هناك فائزون وخاسرون ، ناجحون وراسبون ، متفوقون ومتعثرون . فالاختبار بالمعنى العام محكّ المعارف والمواقف ، وتواصل في ميادين التقدم أو انحطاط في أرجائه ، سواء أدرك الإنسان ذلك أو غفل عنه ، ظهرت له حكمته أو خفيت عنه . ومن الثابت أنها ليست جميعها تحديات أو صراعات بين الإنسان والحياة يفوز بعدها بوافر أو قليل من النجاح أو لا يفوز . إذ ليست جميعها عقبات يذللها لمصلحته ، كما أنها ليست محبوبات يرغب فيها ويتشوف إلى ممارستها ، فهي هذا وذاك . ولكنها أيضا وبالإضافة إلى ذلك رعايات ومسؤوليات يحاسب عليها ويسأل عنها ( فكلّكم راع ومسؤول عن رعيته ) كما جاء في الصحيح ، وهي رعاية تتطلب جهدا وصبرا وتحملا فكريا وتنفيذيا . وإذا كان ثمة مواقف مختلفة ، بعضها الشديد القوي ، وبعضها الخفيف البسيط فقد لا تكون النتيجة حسب الشدة واليسر والقوة والضعف ، فإن من البسيط والخفيف ما له أهمية أخطر من القوي الشديد . فليست شدة الجذب تابعة لشدة الموقف ولا ضعفه أو خفّته من ضعف الموقف وخفّته ، فإن وتائرهما تختلف حسب طبيعة الإنسان وحاجته أيضا . فإذا شده بعضها إليها ونفرها بعضها الآخر منها فإن الحكمة منارة يتبصر المرء من معلمها متى ينجذب وأنى يتجاوب ، ومتى يعرض وأنى يتقاعس ، فإذا ضاعت الحكمة أو افتقدت ، اختلطت المعارف وتعارضت قوى الجذب في كثير من الأحيان ، وعلى هذا فلا بدّ من مقاييس سليمة وموازين صحيحة تزن الأمور بالعدل والحكمة بناء على المقاصد والمضمون والغايات ، ولا بد أن تكون المقاييس محررة من الانحيازية العمياء ، والتبعية العصبية والمصلحة المفرقة في الخصوصية . إنها مقاييس القرآن التي صنفها إلى حق وباطل وخير وشر ، وجمال وقبح ، وطيبات وخبائث .