نذير حمدان

160

حكمة القرآن والحضارة

تطرق الشك إليهما ، وفي الثالثة : التصريح بمجيء الحق من اللّه وطلب اتباعه فالناس كلهم مدعوون للتبصر في الكون سماوات وأرض ، مدعوون لأخذ الإسلام على يقين ، مدعوون لاتباع الحق وهدايته ، ويبلغ التشويق مداه في الآيات النورانية وبخاصة ( النور 35 ) في صورة رائعة ليست شرقية ولا غربية حيث يتأمّل الناس في جمالية النور الإلهي للسماوات والأرض متجاوزا الحقائق العلمية إلى الحقيقة الجمالية التي يرى الناظر طرفا من روائها وحسنها بينما يدرك القلب والعقل آفاقا أخرى . إنه مثل رائع يضربه اللّه ( للناس ) كل الناس . وهو من الأمثال التي يسوقها في آي كثيرة . تستدعي الحسّ الجمالي والعمل العقلي العلمي معا وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ ( العنكبوت 43 ) و ( الحشر 21 ) وهو مزج منسق وثيق الصلة في الذوقية الجمالية والعقلية العلمية ، في أمثلة قرآنية لعموم الناس يدركها كل حسب إمكاناته ومعارفه ، وإذا كان الأصغر خلقا وهو الإنسان يتطلع فطريا بلهف وشوق إلى الأكبر خلقا وهي السماوات والأرض فإن جاهلية أكثر الناس بحقيقة الأكبر والأصغر نوعا وهيئة وكيفا تعزفهم عن متابعة النظر العلمي الجمالي المستمر ، فقد أعلنت آية ( غافر 57 ) الضخامة في خلق الكون أمام خلق الإنسان ليستشرف إلى معرفتها وتملّي مجاليها . مع أن الكون كله دقيقه وجليله مجال رحب للنظر ، وما من شيء مخلوق للّه إلّا ويستحق الفكر ، والإنسان أي إنسان يتطلع إليه ( الأعراف 185 ) إن تأمله به مهما دقّ من مقتضيات إنسانيته التي خصه اللّه بها دون سواه ، وتعرض الآية ذلك بأسلوب التعجب الذي يظهر غفلة الغافل ( أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا . . . . . . . . ) وكأنه يقول : إن طغيان المادة ران على قلوبهم وجردهم من كثير من إنسانيتهم ، ومن دواعي التنبه إلى قيمة الإنسانية التي تميزهم عن الملكوت الضخم الهائل ، ومثلها التصريح لجميع الناس بالبناء السماوي المحكم العجيب وبتزيينه الباهر البديع . والأرض الممدودة الراسية بالجبال المنبتة من كل زوج بهيج ( ق : 6 ، 7 ) . وهو تمازج النظر العلمي بالذوق الجمالي والانتفاع بكل منهما حسب طبيعته وجوهره ، ففيه علم وفن واقتصاد ، وبتعبير آخر فيه اقتصاد فني علمي نافع .