نذير حمدان
161
حكمة القرآن والحضارة
إن كل ناظر إلى قبة السماء يرى جماليات لا تنتهي ويحس بعظمة هذه الجماليات في عقله وقلبه . بروج ونجوم زينها اللّه ، فهل من ناظر مفكر معتبر ؟ ( الحجر 6 ) . ومثلها التصريح لجميع الناس بأن البراهين الحسية والعقلية لا بد لها من حسّ صادق يتعرف إليها وعقل متفتح يهتدي إلى أسرارها وبراهين يستدل على هذه وتلك ، وحين يفتقد هذا الحس العقلي والبرهان الحق لأي عارض بشري ، أو بسبب جحود متحكم وإنكار متعنت فإن البراهين لا تنفع صاحبها ، والعقل والحس لا يغنيانه في دفع العذاب عنه في الدنيا والآخرة ( يونس 101 ) . وكيف ينتفع الجاحد من معطيات الذهن وبراهينه وعبره ؟ وخلق السماوات والأرض في ستة أيام ( الأعراف 7 ) و ( النحل 3 ) من أيام اللّه ولجميع الناس يؤكد على أنه خلق ثابت بالحق ( النحل 3 ) و ( العنكبوت 44 ) مثل أي خلق يعاين ويشاهد . ومثل أي مسخر أعده اللّه لحياة الإنسان من البحار والأنهار والشمس والقمر والليل والنهار ( إبراهيم 32 - 34 ) وهي مع تسخيرها وعند الإمعان بها والنظر في منافعها نعم عظيمة إذ جعلها ملائمة له متناسبة مع تكوينه ، إنه خلق عظيم ودقيق صيغ لفائدة الإنسان من خالق حكيم عظيم . ومن أروع البيان الإلهي تكوينا وإبداعا وتناسبا تلك الآيات التي اقترن فيها خلق السماوات والأرض بالحق وتصوير الناس بأبهى صورهم وأجمل ألوانهم ( التغابن 3 ) فالملكوت الهائل حق ، ومشاهده جمال ، وتصوير الإنسان بالأجمل قمة الجمال والرواء . وما دام خلقا جميلا فلا تعروه عبثية ولا يغشاه بطلان ، إنه ملكوت بديع يستحيل معه اللعب أو الغفلة ، فهو مخلوق وفق حكمة إلهية مبدعة تدفع إلى التأمل والتذوق ( ص 27 ) و ( الدخان 38 ) ، وحين يفعل ذلك يعمر قلبه بالإيمان وتفيض نفسه باليقين . وأهل الفكر والألباب في مقدمة الناس المفكرين الناظرين المتتبعين للنظام الكوني المحكم الداعين رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ ( آل عمران 190 - 191 ) . إنها مجال رحب للمعرفة والخشية ( فاطر 28 ) وللإيمان بالبراهين الكونية الحسية ( يونس 101 ) . وقد قيل : الحكمة من اللّه : معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام .