نذير حمدان
159
حكمة القرآن والحضارة
العلم الكسبي متى تفتحت منافذ القلب ، وتيقظت أوتاره لتلقي إيقاعات الوجود . . . ( كما قال الظلال عموما ) . ففي سورة ( الطارق ) ساق اللّه أصل الإنسان المائي وسط مسألتين كونيتين : النجم الطارق الذي يثقب بضوئه ظلمة الليل ، والسماء ذات الرجع التي يرجع النظر إليها مرة بعد مرة ، والأرض المتشققة المنبتة ، وربما أراد - واللّه أعلم - أن يجعل الإنسان عنصرا هاما من عناصر الكون بمعناه الأوسع ، وهي على كل حال إرادة تتعلق بعموم الإنسان ونجومه التي يراها وأرضه التي يعتاش منها . وفي آيتي ( البقرة 21 - 22 ) تأكيد عضوية الإنسان في الكون يتعلق خطاب اللّه بجميع الناس ويطلب منهم عبادته لأنه خلقهم وخلق من كان قبلهم ولأنه جعل الأرض مريحة ، والسماء مبنية ، والسحب ممطرة منبتة ، على غير سياق القرآن السابق الذي يخص المؤمنين والمنافقين والكافرين . وهذا تناسب واضح في المعادلة الفكرية بين عمومية الناس وعمومية الكون . وفي آية ( البقرة 189 ) أيضا سؤال الناس عن ( الأهلّة ) التي تبدو صغيرة ثم تكتمل ثم تمحق فأخبرهم عن منافعها في ضبط ( المواقيت ) لأعمال الناس الدينية والدنيوية ، وفصلتها قليلا آية ( يونس 5 ) التي صرحت بالحكمة من ضياء الشمس ونورانية القمر وتقديره منازل للوصول إلى معرفة عدد السنين وحساب العبادات والمعاملات . . . إنه حاجة إنسانية عامة تعتمد على فلكية الأجرام في السماء ، وزراعة الأشياء في الأرض ، حتى لأولئك الذي يستعملون التقويم الشمسي دون التقويم القمري . وفي آية ( الأعراف 158 ) يخاطب النداء القرآني ( الناس جميعا ) برسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم إليهم كلهم ، والمهم هنا أنه يقرنها بملكية اللّه للسماوات والأرض ووحدانيته . . وهو - وإن بدا خطابا عاما - يصرح برسالته لليهود والنصارى من قبل ، وهؤلاء أولئك من الناس الذين لهم تعلقات كونية عامة . وتجمع آيات ( يونس 101 - 109 ) أمورا إنسانية وكونية في إنذارات كثيرة . وكل واحدة منها يوجه اللّه خطابه للرسول بقوله ( قل ) ثلاث مرات ، فكانت الأولى الطلب من اللّه للناس أن ينظروا ما ذا في السماوات والأرض ، وفي الثانية بيان يقينية الرسالة والرسول وعدم