نذير حمدان

158

حكمة القرآن والحضارة

أن اكتساب الحكمة وتعلمها قد يغني شخصا أكثر من شخص لم يتعلمها ، والأمة المتقدمة العالمة غالبا ما تصقل حكمتها وتثري تجاربها الفكرية بمزيد من الإبداعات ، بينما تنتظر الأمة المتخلفة من يكتشف حكمتها ويغنيها ويوظفها في الخير العام ، والحكمة تولد الحكمة ، والحكيم يمكنه أن يفيد بها الآخرين علما نافعا وتصرفا سليما ونظرات للوجود ثاقبة وعميقة . ثانيا : عمومية الكون : فقد أعدّه اللّه لكل إنسان ، كما أعد الإنسان ليتسق مع أجرام الكون ومجالاته فهما صيغ متلائمة حكيمة ، وقد عرضت في القرآن من خلال الخلق والتنسيق الإلهيين ، والرؤية والتجربة الإنسانية الممارسة مثل : اعتبار الإنسان عنصرا هاما من عناصر الكون ، فيؤكد هذه العضوية في آية ويلوح بها في آية أخرى منبها إلى حاجاته الواقعية والعلمية والفنية في خطابات ( جميعية ) ، وقد اتخذ لذلك آلية النظر والتأمل والتبصر الحسي والعقلي في أساليب حية ومشوقة و ( مثلية ) معاشة ، وليست فلسفية معقدة جامدة ، إنه يثير الفطر الإنسانية في تطلعها إلى الأضخم والأكبر بالموازنة مع خلق الإنسان الصغير ، مستفيدا ورابطا هذا المعنى بمعارف الإنسان الأولية ، في فوقية السماء وتحتية وإنتاج الأرض . . . مثيرا مسائل حسابية في هذا الخلق الهائل ومنافعه العاجلة والآجلة ، دافعا العلماء والمفكرين خاصة إلى مزيد من العطاءات الفكرية العلمية في مجالات الكون الرحبة . فالذرة في المصطلح الكوني مقتبسة بحجمها وأوليتها من ذرة القرآن ، فهي بمفردها كاملة التناسق بين كهاربها وبروتوناتها وإليكتروناتها ، منتظمة الحركة والدوران ثابتة الجولان ، شأنها شأن المجموعة الشمسية الهائلة في تناسق شمسها وكواكبها وتوابعها ، وهي تعرف طريقها وتؤدي مثلها وظيفتها . . . وبين الذرة المفردة والمجموعة الشمسية درجات من التنظيمات والتركيبات كلها في مثل هذا الكمال الخلقي ، وفي مثل هذا التناسق الجماعي ، وفي مثل هذا التدبير والتقدير الذي يحكمها ويصرفها . . وهذه الحقيقة يدركها القلب البشري جملة حين يتلقى إيقاعات هذا الوجود ، وحين يتدبر الأشياء في رحابه بحس مفتوح ، وهذا الإدراك الإلهامي لا يستعصي على أي إنسان في أية بيئة ، وعلى أية درجة من درجات