نذير حمدان
157
حكمة القرآن والحضارة
إن تجاوز مكان التنزيل وزمانه وأهله من أعظم القواعد الحضارية في القرآن ، فإن إنسانية القرآن في مسائله وقضاياه تنبئ عن حضارة عالمية متجددة . ومن الطريف هنا أن مصطلح ( الناس ) وحده في القرآن يتساوى عددا مع مصطلح ( المؤمنين ) و ( المؤمنات ) و ( المسلمين ) و ( المسلمات ) معا ، فقد جاء حوالي ( 240 ) مرة في الأحوال الإعرابية والاشتقاقية المختلفة ، وهو من الصيغ العددية العجيبة في القرآن يحمل دلالة حكمية طريفة ، فالمؤمنون على كل حال هم من الناس بل هم بالإسلام خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ . - خصوصية الحكمة وعموميتها : فهي موهبة لشخص مختار أو لفئة معينة من الناس جميعا ، إنها خاصة وعامة ، ولجماعة فقيرة وغنية ، وبدائية ومتحضرة إلى جانب أنها وهبية ومكتسبة ، وعلى هذا فليس جميع الناس حكماء ، فهي لجماعة محددة فطرت على الحكمة ، وهذا يعني تميز هذه الفئة أو الفئات بقدرات وهبية وأحيانا كسبية قادرة على أن تؤتي ثمار الفعالية والإبداع في تطور المجتمعات وتقدمها ، فالحكمة هي هذه القدرة المبدعة ، إذ لا تقع إلّا في مجال الخير ولا تؤدي وظيفتها إلا في ميدان البرّ وإلا لما أصبحت حكمة . فإلى جانب هذه الخاصية الخاصة فإنها لا تتحدد في فئة معينة بالنسبة إلى عرق أو لغة أو دين ، فالتفوق العنصري نظرية فاشلة أمام النماذج الحكمية المتفوقة العامة ، وربما كانت البيئة الخصبة مواتية لبروز الحكمة في وقت أو شعب أكثر منها في وقت أو شعب آخر ، وبذلك قضى القرآن على هذه النزعة الطائفية برحابة الهبات لكل إنسان يختاره اللّه ويصطفيه . وإذا كانت الحكمة خاصة إنسانية أيضا فهي قدر مشترك لجميع الناس وإن كانت مفطورة لبعضهم مكتسبة لجميعهم ، فالحكمة موجودة للناس . قال المهدي الخليفة : إن في كل قوم حكمة ، ولكل زمان سياسة ، وفي كل حال تدبيرا ، يبطل الآخر الأول ، ونحن أعلم بزماننا وتدبير سلطاننا « 1 » . وحكمة الناس نابعة من الدين أو الرسالة ، ونابعة من فطرتها وتجاربها ونظراتها في الحياة ، وهذا يعني إمكانية وجود حكمة وحكماء في البدو والحضر والبلاد المتقدمة والنامية ، كما أسلفت فقد ينطق أمي أو يتصرف بفكر حكيم وقول حكيم لا نجد مثله عند المتعلم . بيد
--> ( 1 ) العقد الفريد 1 / 96 .