نذير حمدان

155

حكمة القرآن والحضارة

أو هو الشيطان نفسه ، مشاكس مغالب لمن هو أضعف منه طاغ بماله وسلطانه . . . . من خلال ( الابتلاء ) . والحكمة القرآنية هنا تتحقق في التوازن بين القوى المادية والروحية والعقلية والبدنية والعاطفية والفردية والاجتماعية ، وفي القدرة على تحويل الضعف إلى القوة ، والهلع إلى الطمأنينة ، والعبودية للخالق إلى الحرية المنظمة للمخلوق ، وفي تصعيد نزعات الشر والاستبدال بها نزعات الخير والتقوى ، ووضع الطيبات والحلال موضع الخبائث والحرام . وفي إنماء الرقابة على السلوك والإخلاص في العمل . . . . . - والنّاس أمّة واحدة بالتركيب الجمعي الإنساني ، فهم مركبون من الإنسان الواحد والنفس البشرية الواحدة ، وبهذا الاعتبار التركيبي الجمعي لا بدّ له من تشريعات جامعة تتناسب معها من النبوات والشرائع والآداب العامة التي نبّه القرآن إليها وإلى حكمتها . . . فقد بعث اللّه لهم النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ( البقرة 213 ) لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ( النساء 165 ) وعادل بين الرجال والنساء ( الحجرات 13 ) ودفعهم جميعا إلى حماية مقدساته الكنس والمعابد والمساجد ( البقرة 251 ) و ( الحج 40 ) . وغرس في نفوسهم حب الزينة والشهوات المختلفة ( آل عمران 14 ) ووضعهم في ميادين الاختبار والتحديات ، وطلب منهم ألّا يغتروا بها ولا ينخدعوا بدنياها ( فاطر 5 ) وسخّر لهم الفلك بما ينفعهم ( البقرة 164 ) وبيّن لهم أن دورة الحياة النباتية والانسانية متشابهتان ، بداية من نزول المطر وإحياء الأرض ، وهيجانها من كل زوج بهيج ، ثم اصفرار الزرع ويبسه وموت الأرض وجفافها التي تنتظر عودة الغيث ، قريبة من دورة حياة ركن عظيم في العقيدة هو الإيمان بيوم القيامة ، وتنبيه الذهن والعاطفة والحس الجماعي إلى هذه الدورات ( يونس 24 ) وغيرها وإثارة انتباههم إلى الإنسان ومراحل حياته كما أسلفت ، وكلاهما من المشاهد الحيّة التي تذكّر بثبات الإيمان ورسوخ العقيدة باعتبارهما مما ينفع الناس ( الرعد 17 ) وأن الفساد ليس من طبيعة البرّ والبحر وإنما هو من فعل الناس الفاسدين ( الروم 41 ) وأنزل مع الأنبياء الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ( الحديد 25 ) فكان معظم التابعين على الكفر والفسوق ( المائدة 49 ) و ( غافر 61 ) ، وقلة الناس المتبوعين على الحقّ والخير والهداية ، وطلب