نذير حمدان
152
حكمة القرآن والحضارة
إنسانية الحكمة . . . . والقرآن إنها من أخطر ألوان الحكمة القرآنية ، وأوسع مواقعها بعد موقعها من حكمة اللّه والنبوات وما يتصل بهما ، حيث يلهمنا القرآن بعديد من الحكم حسب المواقف الإنسانية المختلفة وذلك لأربعة اعتبارات : أولها أن قضية الإنسان من أعظم القضايا القرآنية حجما واتساعا وتناولا وتشعبا ، وثانيها أن حكمة اللّه لا تدرك إلّا بالنظر والحواس ، وثالثها أن النبوات المعروفة منها والمجهولة هي هدية اللّه وعطاؤه للإنسان المتحضر بها والراقي بقيمها ، ورابعها لوضوح المصطلحات الحكمية العامة وكثرتها وتعدد مجالاتها وإبراز قيمها الإنسانية باعتبارها خاصية له ، وتشمل المصطلحات فيما تشمله ( الإنسان - إنس - أناس - الناس - الأنام - بنو آدم - . . . . ) الدالّة على عمومية الإنسانية فإن تنويه القرآن بها وعلى زخمها معلم بارز في حضارته العالمية . والإنسان أساس العمران وقوام الحضارة ، وتقدمه الفكري والخلقي والروحي والعملي أرسخ قواعده ، ولذا فإن خطاب اللّه له يمكن أن يفجر بطاقاته الأرض ويمخر العباب والفضاء ، ويخترق آفاق المعرفة وحجبها المجهولة ، ويرقى بماديته ومعنوياته . مواقع الحكمة القرآنية الإنسانية « 1 » ونبرز موقعين : الذات الإنسانية ، وعمومية الكون . وفي كل منهما حكم إلهية وبشرية كثيرة . أولا : الذات الإنسانية : فهي واحدة في الأصل والتكوين والقيم والأعراض والتركيب الجمعي والنهاية . فهي من نفس واحدة ، وخلق منها زوجها ، وبثّ منهما رجالا كثيرا ونساء ( النساء 1 ) . وهي قائمة على قاعدة الزوجية في الخلق ، وعلى التصنيف الذكوري والأنوثي ( النجم 45 ) وقاعدة النّاسية المركبة على أسس فطرية واجتماعية ( الحجرات 13 ) وعلى هذا فإن الذات الإنسانية فردية وزوجية وناسيّة ، ترجع جميعها إلى ( الإنسان ) الواحد .
--> ( 1 ) اقتصرنا في الفقرات الآتية على الآيات التي تصرح بالإنسان والناس .