نذير حمدان

146

حكمة القرآن والحضارة

لا ينبغي أن يتّبع ناطق الحكمة في حال اختلاط المفاهيم عليه وشذوذه عن مقتضيات العقل والشرع ولا في حال تشكيكه بالتصورات الحقّة فإن الناس قد يتأثرون بزيغه وشكوكه . جيل المعلمين والمتعلمين والحكمة فكل صحابي كان متعلما ، ومعلما ، تعلّم من الرسول وكبار الصحابة والمكثرين من الرواية وعلّم غيره من الصحابة والتابعين مثل : ابن عمر وابن عباس وابن عمرو ، من عمر وأبي هريرة ومعاذ . . . وكذلك تعلم وتعليم أزواج الرسول أمور البيت المسلم . . . . فلا ينقطع المعلم عن التعليم ما دام النبع ثرّا والتواصل العلمي قائما . إنها حركة علمية دائبة نشطة في إطار الدوافع النبيلة الخيرة . وإذا فهي عملية تضم المعلمين والتلاميذ معا ، فلا يبقى التلميذ تلميذا وفي حال التلقي وحده وإنما يمكنه أن يصير - وبالفعل - معلما يشترك في البذل والعطاء محتفظا بحقه في التعلم المستمر الحي والإفادة الواقعية النافعة . وإذا كانت الأمية ضاربة أطنابها في العرب فإنها تقتضي ثورة علمية ولكنها حكيمة المضمون والأداء ، ولئن كان الرسول واحدا من الأميين فإن بعثته إلى الناس تعليمية وإصلاحية معا ، حتى أصبح التعلم والتعليم ظاهرة في حياتهم ، إنه الجيل الأول الذي حمل العلم ووسائله وبخاصة علم القرآن والسنة والحكمة وتزكية النفوس إلى الأقطار القريبة والبعيدة ، ومن ثم حملوه إلى من بعدهم فكانت حضارتهم علمية جهادية بعد أن كانوا أميين جاهليين ( البقرة 151 ) وهي قضية هامة تستحق منهم أن يشكروا اللّه ويذكروه فاللّه يقابل شكرهم وذكرهم هذا بما هو أعظم منه وأجلّ ( البقرة 152 ) . وهذا الدافع القيمي القوي مما يعزز النشاط العلمي الكبير الذي كان يتجاوز شظف العيش « 1 » وتأريث العداوة والاعتزاز بالسفه والجاهلية والاعتماد على معارف اليهود المغرضة . ويعني نقل العرب وغيرهم من أمّة أمية إلى أمّة متعلمة لا يقتصر تعلمها على محو الأمية وإنما ينقلها إلى أمة

--> والمشبهات بدلا من المشتهرات ، قال الزهري : ما تشابه عليك من قول الحكيم حتى تقول : ما أراد بهذه الكلمة ؟ وزيعة : هي زيغة : وهي الشك والميل . ( 1 ) انظر حديث أبي داود ، علم ( 3666 ) ومنهم أهل الصفة .