نذير حمدان
147
حكمة القرآن والحضارة
التعليم الذي كان أشرف رسالتها وأنبل أعمالها . وإذا أضفنا إلى تعلم وتعليم القرآن والسنة تزكية النفوس بهما فإن تعريفهم بأسرار الأشياء المعبّر عنه بالحكمة يبين دور الإسلام التثقيفي العام الذي لا يحقق سواه عمليات التحضير والإصلاح . يقول ابن كثير في تفسيره : فانتقلوا ببركة رسالته ويمن سفارته إلى حال الأولياء ، وسجايا العلماء فصاروا أعمق الناس علما وأبرّهم قلوبا وأقلّهم تكلفا وأصدقهم لهجة . إنهم قاعدة الإسلام العلمية الأمينة وتمثله الصحيح وجيل تبليغ القرآن والسنة حين كان يطلق على كل منهما العلم ، وتتجلى هذه القاعدة في الشعار العام ( ليبلغ الشاهد الغائب ) « 1 » ، وهو تبليغ شفاهي صرف أو شفاهي يعتمد على الكتابة التي أجازها الرسول للصحابة الذين لا يشتبه عندهم القرآن بالحديث . وهو سماع وإسماع ( تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممّن سمع منكم ) « 2 » في سلسلة متصلة غير محدودة في السماع والتعليم . ويمكن أن يشمل البلاغ والنقل عن أمم أخرى غير المسلمين ، فقد قال الرسول صلى اللّه عليه وسلم ( حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ) « 3 » . وهي مسألة غير التصديق والتكذيب لما يروى عنهم . قال الخطابي : ليس معناه إباحة الكذب في أخبار بني إسرائيل ورفع الحرج عمن نقل عنهم الكذب ، ولكن معناه الرخصة في الحديث عنهم على معنى البلاغ وإن لم يتحقق صحة ذلك بنقل الإسناد « 4 » . وكان دور ( الصعاليك ) في تداول العلم ونشره واضحا ، فهم صبر على شظف العيش وقلة المئونة ، حتى إنهم لفقرهم ما كانوا يجدون ما يسترون به أجسادهم ، بينما كان غناهم بالعلم ومجالسهم فيه خير معوّض لهم عن فقرهم وشظفهم ، بذلك صانت ( الصعلكة ) نفسها من التعديات وقطع الطرق للحصول على الزاد والإغارة على الآمنين ، وفي مقدمتهم أهل ( الصفة ) الذين أقعدتهم الحاجة عن طلب العلم والاكتفاء بالنزر اليسير .
--> ( 1 ) جزء من حديث البخاري : علم ( 67 ) . ( 2 ) أبو داود ( 3659 ) . ( 3 ) السابق ( 3663 ) . ( 4 ) . 4 / 70 من شرح سنن أبي داود .