نذير حمدان

123

حكمة القرآن والحضارة

يحيى عليه السلام : الطفل الحكيم المعجزة ، وفيما بعد ، النبي الرسول الذي تميز بحكمة الطفولة يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ( مريم 12 ) إنه متفرّد عمن قبله فلم يكن ( لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ) وعاش حياته في ( حنان ) اللّه محبة ورحمة وتعظيما و ( زكاة ) بركة وطهارة من الدنس والآثام والذنوب ( وَكانَ تَقِيًّا ) قائما بالعمل الصالح ( وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ ) مجانبا لعقوقهما قولا وفعلا أمرا ونهيا . إن ( حنان ) اللّه له ورحمته به وتطهيره من الشر جعلته حانيا راحما طاهرا مطهرا فاستحق ( السلام ) والأمان كما قال سفيان بن عيينة في أوحش مواطن الإنسان ، يوم ولد حيث يرى نفسه خارجا مما كان فيه ، ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم ، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم . وحكمته كما قال ابن كثير وغيره ، الفهم والعلم والجدّ والعزم والإقبال على الخير والانكباب عليه والاجتهاد فيه وهو صغير حدث ، قال عبد اللّه بن المبارك عن معمر : قال الصبيان ليحيى : اذهب بنا نلعب ، فقال : ما للعب خلقنا ، قال : فلهذا أنزل اللّه وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا . عيسى عليه السلام : وهو أكثر الأنبياء وصفا بالحكمة فهو الرسول المعجزة العالم ، كلمة اللّه وروح منه ، فلا غرو أن يتصف بالحكمة منذ طفولته حتى رسالته وتبليغه ، وفي السور المكية والمدنية ، فقد جاء في سورة ( آل عمران 48 - 49 ) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ * وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ ، وقريب منها في سورة ( المائدة 110 ) وسورة ( الزخرف 63 ) المكية وفي جميعها تصريح بالحكمة ، وإن أغفلت الآية الأخيرة صراحة التعليم والوحي الإلهيين ، إن عيسى قد تعلّم الكتابة من اللّه كما تعلم العلم الصحيح ومعرفة أسرار الأشياء فأضحى بذلك قارئا كاتبا حكيما وهي صفات عامة عالية اكتملت بالنبوة والرسالة التي شملت تعلم التوراة والإنجيل ( العهد القديم والعهد الجديد ) « 1 » . وإذا أكدت الآيات أن الحكمة تعليم من اللّه فإن اللّه العليم الحكيم ميّزه عن الأنبياء بالقدرة على الخلق والإبراء في عصر انتشار الطب كفرع من الحكمة والفلسفة حينذاك ، ولذا فإن حكمته القولية والفعلية دالّة على كرامة اللّه له ووجاهته عنده مثل دلالتها على بشريته وعبوديته للّه تعالى التي كان

--> ( 1 ) من كتب الحكمة ، دار المشرق بيروت .