نذير حمدان

118

حكمة القرآن والحضارة

فقد جاء في ابن كثير : . . . . . وذلك لطيب صوته بتلاوة كتابه ( الحكيم ) الزبور ، وكان إذا ترنم به تقف الطير في الهواء فتجاوبه ، وترد عليه الجبال تأويبا . وثبت في صحيح البخاري أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم قال لأبي موسى الأشعري حين استمع لقراءته ( لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود ) « 1 » فإذا اجتمعت هذه الخصال استحق أن يكون من أولي العزم . ومن المفيد أن نبين أن حكمته تجريبية على الأغلب ظهرت في أقضيته كما صرّحت آية القضاء في الحرث والغنم ( الأنبياء 78 ) . وكذلك فقد جاء ذكر داود وحكمته عقيب ما ذكره اللّه عن ( لوط ) كما سبق ( الآية 74 ) . وكذلك فمن المفيد أن نبين أن حكمة داود قد اقترنت بقتال الجاحدين الطغاة وانتصاره عليهم فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ ( البقرة 251 ) ، فإن الملك المستقر والحكمة النافعة والعلم المفيد لا تزدهر إلّا بعد الظّفر بالأعداء وتثبيت الأمن والأمان ، فقد قوّى اللّه ملكه وصرح بنتائجه وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ ( ص 20 ) . إنها سنّة من سنن الحضارة في كل زمان ومكان . سليمان عليه السلام : فهو النبي الحكيم والعالم والملك من أب نبي وحكيم وعالم وملك إرثا وكسبا ، وهي حكمة ظاهرة في القضاء صرّح القرآن بها في مناسبات منها ( فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ . . . . . . . . فاعِلِينَ ) والآية تشير إلى المواهب المشتركة والمتوارثة بين الأب والابن ، فإن من أمتع ما يحظى به الأب أن يكون ابنه امتدادا له في المواهب والفضائل ، وهي من أكرم ما يحظى به الابن أن يرثها من أبيه . ومن حكم سليمان المدونة ما جاء في كتاب ( الحكمة ) أحد كتاب العهد القديم « 2 » ، ويسمى أيضا حكمة سليمان ، فيه عظات ونصوص تتصل بخلود النفس ، فهو ضرب من أدب الحكمة يشبه أسفار أيوب والأمثال ومن أقواله فيه : فاسمعوا أيها الملوك وافهموا وتعلموا يا قضاة أقاصي الأرض ، اصغوا أيها المتسلطون على الجماهير ، الحكمة ساطعة لا تذبل ،

--> ( 1 ) البخاري : فضائل القرآن ( 5048 ) . ( 2 ) الموسوعة الميسرة .