نذير حمدان

119

حكمة القرآن والحضارة

تسهل مشاهدتها على الذين يحبونها ويهتدي إليها الذين يلتمسونها . . . ومن بكر في طلبها لا يتعب ، فالتأمل فيها كمال الفطنة ، فالرغبة في الحكمة تقود إلى الملكوت ، إن كثرة الحكماء خلاص العالم ، لذلك صليت فأوتيت الفطنة ودعوت فأتاني روح الحكمة ففضلتها على الصوالجة والعروش ، وعددت الغنى كلا شيء بالقياس إليها ، فأتتني معها جميع الخيرات ، وعن يديها غنى لا يحصى ، فسررت بهذه الخيرات كلها لأنها بإمرة الحكمة . . . ولا أكتم غناها فإنها كنز للناس لا ينفذ « 1 » . موسى عليه السلام : فهو النبي الحكيم العالم الذي آتاه اللّه الحكمة بعد اكتمال قواه البدنية والعقلية ، واستواء استعداداته لقبولها وحملها وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( القصص 14 ) فافترق عن ( يوسف ) بأن صرّح له بالاستواء بعد أن اشتركا في بلوغ الشدة والقوة ، وكذلك بعد أن اشتركا في جزاء الإحسان الذي سجله اللّه له موجها قومه في أدب الحديث ( البقرة 58 ) ودخوله معهم الباب سجدا ( الأعراف 161 ) وسلام اللّه عليه وعلى أخيه هارون ( الصافات 121 ) . فالنبوة حكمة اللّه له وهي أعلى مراتبها ، وهي أيضا فهم التوراة وإدراك أسرارها وبيانها معنى وتمثلها عملا وسلوكا . حكمة تفسيرية تغني اليهود عن ( التلمود ) ، وقد أكد اللّه ذلك بقوله فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( الشعراء 21 ) إنها من اللّه هبة وعطاء ، والآية إذ تبين أن اللّه آتاه النبوة والرسالة معا فإنها جميعها مما يناسب مع اكتماله القوة النفسية : البدنية والعقلية والشعورية ، ولذا فقد تكرر ذكره في القرآن أكثر من غيره في ( 136 ) مرة بينما ذكر عيسى ( 25 ) مرة وإبراهيم ( 69 ) مرة . وبعد أن آتاه اللّه الحكمة استحق أن يكون كليم اللّه ، وأوحى إليه الألواح بالتوراة التي سماها اللّه وحدها من بين سائر كتبه بالفرقان التي كانت أكبر حجما وأكثر تشريعا . وتماثلت بذلك مع القرآن ( الفرقان ) بينما زاد عليها بلغاته وقراءاته وإعجازه البياني والفكري والتربوي . حكم في ( صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى ) وهي إذ تنبثق عن أصول العقيدة في الدين الإلهي المنزل على جميع الأنبياء ، وهو الحقّ الأصيل الواحد الذي يرجع إلى أصل واحد فإن تخصيص

--> ( 1 ) من ص 1406 - 1409 .