نذير حمدان
117
حكمة القرآن والحضارة
فلن تثني النبي عن قول الحق ، ولن تخيفه كثرة فسادهم وخبثهم ، وربما كان من أشد مصابه زوجته الكافرة التي جعلها اللّه من الغابرين ، وهي إلى كفرها جاحدة بحكمة زوجها معاندة لتصرفاته مع أهله وقومه ، فلنتصور أن زوجة الحكيم أبعد الناس عن الحكمة وأشد الناس ثقلا عليه فإن حمقها وسوء معاملتها من أقسى ما ابتلي به في بيته ومجتمعه . إن لوطا النبي العالم الحكيم لم تتجاوز دعوته بلدة ( سدوم ) ولم يدخل في دينه سوى القليل من الناس على الرغم من جهده الكبير وعمله الدءوب من أجل إصلاح بيته وقومه . يوسف عليه السلام : وهو على جماله البدني وحسنه الأخّاذ حكيم زمانه ، فقد فاق إخوانه بها حتى وصل إلى أعلى المناصب ومراكز المسؤولية بعد ما ذاق ألوان الأذى والسجن . فقد تنازل عزيز مصر له عن حكمه وإن أبويه وأخوته وكانوا أحد عشر رجلا خرّوا له ( سجّدا ) تصديقا لرؤياه ودعوته للدين التي رافقته في السجن ، فهو بالحكمة والعلم النبي الذي قال عنه وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( يوسف 22 ) ويمكن أن نستلهم من هذه الآية ثلاثة أمور : أولها أن النبوة والحكم والعلم موقتة بزمن الشدة في الاكتمال السنّي ومرتبطة بحال القوة في اجتماع القوة البدنية والعقلية وكذلك سائر الأنبياء الحكماء ما عدا عيسى ويحيى عليهما السلام ، وثانيها : أن هذه الثلاثة ( النبوة والحكمة والعلم ) من حكمة اللّه وعلمه ووحيه فقد ( آتاه ) اللّه بها ومع ذلك كانت بشريته قالبها ووعاءها . وثالثها : أن هذه الهبات الثلاث في مقابلة ( الإحسان ) الذي عرف به واشتهر بفضيلته ، فقد كان ( محسنا في عمله عاملا بطاعة اللّه ) كما قال ابن كثير ، ولتأكيد هذه الفضيلة فقد وصف بها في خمس آيات تعبّر عن خمس حالات ومواقف من خلال هذه السورة « 1 » ، قال يحيى بن سلام : ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ) عشرين سنة ( آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً ) يعني عقلا وفهما « 2 » . داود عليه السلام : وهو النبي الملك القوي المختص بصناعة الدروع المسخّر له الجبال المسبحات والطير المرجعات .
--> ( 1 ) الآيات 22 ، 36 ، 56 ، 78 ، 90 . ( 2 ) التصاريف ص 201 .