نذير حمدان

116

حكمة القرآن والحضارة

والنصرانية ، تحدث الناس عن الأصابع الخفية فيها والمقاصد المغرضة منها في الإبقاء على القوى العالمية المحركة وتكريس تعاليم انحرفت عن نقائها ، وتبدلت عن أصلها وتغيّرت بسبب مصالح ذاتية ومالية واستعمارية عن أصولها السماوية النقية . والإسلام أصلا لا يرفض مبدأ الإيمان بالديانات السابقة وبخاصة ( الإبراهيمية ) التي ينتسب إليها باعتبارها الإسلام الأول وباعتبارها الحنيفية ، وباعتبار صلتها بأول بيت مؤسس للعبادة على وجه الأرض ، ولكنه يرفض المراوغة والتحايل تحت أي شعار ، وللمصلحة الدولية على حسابه وعلى حساب المسلمين . إن حكمة إبراهيم بمقتضى النص القرآني هبة من اللّه رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( الشعراء 83 ) فهي حكمة وهبية تجلّت في ( نبأ إبراهيم ) ( الشعراء 69 - 89 ) في المواقف العقدية الحكيمة مع قومه الوثنيين ، وفي وصف ( رب العالمين ) خلقا وهداية وإطعاما وإرواء وشفاء وإماتة وإحياء ومغفرة ولسان صدق ووراثة جنة النعيم . وقد اكتسب آل إبراهيم منه صفاته وأخلاقه وفي مقدمتها الحكمة الإبراهيمية فأرسل من اليهود أنبياء كثيرين ، وأنزل على موسى وهارون التوراة ، وآتى بعضهم الملك العظيم مثل : داود وسليمان إلى جانب النبوة أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ( النساء 54 - 55 ) ، هي وراثة الحكمة والنبوة والملك . وإذا فلا مجال لحسد اليهود على نبوة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ولا مجال للكفر به ولا للصّدّ عنه ، وإن مجرد الانتساب إليه اسما وصفة والإعراض عنه إيمانا وعملا لا يجعل منهم حكماء ولا أتباع الحكماء ولو تسموا ( بحكماء صهيون ) . لوط عليه السلام : وهو من أوائل الأنبياء المؤمنين بدين إبراهيم وحكمته وعلمه وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ * وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ( الأنبياء 74 - 75 ) . والحكمة والعلم إذ تذكّرنا بحكمة اللّه وعلمه في آيات كثيرة فإن ( لوطا ) كان يتصرف بحكمة اللّه ويبلّغ علم اللّه لأفحش قوم وأسوأ بلد حينذاك ، ومهما كانت ظاهرة ( الخبائث ) عند ( قوم سوء فاسقين )