نذير حمدان

114

حكمة القرآن والحضارة

صرح فيه بالحكم بمعنى الحكمة وذكر فيه ( 18 ) نبيا مع آبائهم وإخوانهم وذرياتهم كما أشرت ( الأنعام 83 - 90 ) وإن لم يصرح بالعهد والميثاق ولكن نفهم منه الإرث النبوي الذي قطعه الآباء الأنبياء على أنفسهم تجاه إخوانهم وذرياتهم ، وكذلك تهديد اللّه للكافرين به أن يوكل بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ( الأنعام 89 ) . إنه عهد ضمني تمسك به الأنبياء قولا وعملا وتوارثا . وأصرح آيات وثّقت الحكمة بعهد اللّه في ( آل عمران 81 - 89 ) . وإن من بنود الميثاق : الكتاب الواحد الذي يعني كتب الأنبياء ، والحكمة الواحدة التي تعني حكمة الأنبياء ، وقد أقرّ الأنبياء بهما ومن ثم أخذوا هذا العهد على أممهم في أقوى مصطلح توثيقي ( إصري ) ، وقد أقروا به أيضا وشهدوا على إقرارهم به وبخاصة بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام وشهد معهم اللّه فقال وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ . والملاحظ في الآية أن هذا العهد لم يوثق إلا بعد رضائهم به وقبولهم له فلم يفرض عليهم فرضا ولا أكرهوا عليه إكراها قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا إنه إقرار حرّ مختار لم ينتزع انتزاعا ولم يستبدّ به استبدادا وكان واضح البنود بيّن المعالم لم تغلف حقائقه ولا التبست مبادئه ولا تزيفت . وإذا سماه اللّه بالدين في الآيات السابقات فإنه هنا الإسلام والاستسلام الذي يقع في إطار الإيمان ، والملاحظ أيضا ضرورة إعلان هذا الإيمان والعهد وعدم إبرامه في الظلام والخفاء قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ ، وإن السرية في المواثيق تعرضها للتزييف والتشكيك وأحيانا للتبديل والتغيير ، كما تعرّض أهلها للإحراجات والتوقعات وربما للخداع أو التآمر ضد المصالح العامة . والملاحظ أيضا ضرورة الانقياد والطّاعة بعد الإقرار الحرّ ، والوفاء والالتزام بعد الرضى والقبول ، فليس هناك مبرر للرفض والعناد والعصيان . إنه الإسلام والاستسلام الكامل لخالق السماوات والأرض طوعا وكرها ، فكيف يصحّ بعدها هذا التفريق ؟ وكيف يجوز بعدها نقض العهد ونكث الميثاق ؟ إن ميثاق اللّه واحد لجميع الأنبياء ، ميثاق الحق حكما عدلا وقولا فصلا ، ميثاق الحكمة الشاملة في كتبهم وتعاليمهم ، هي حكمة العقائد والعبادات والأخلاق ، وليست حكمة الترف الذهني والفلسفة المزاجية الأهوائية ، إنها أحكمت بالعهد الموثق وبالإعلان الواضح لتنتقل إلى مرحلة العمل والتطبيق ولا تقف في