نذير حمدان

113

حكمة القرآن والحضارة

ميثاق الأنبياء والحكمة : فقد أحكمت حكمة الأنبياء بشيئين : بالدّين الواحد الذي حمله ( 18 ) نبيا في سورة الأنعام ويتبعهم آباؤهم وذرياتهم وإخوانهم ، وبالعهد والميثاق الذي صرّح فيه بالحكمة غالبا والذي أخذه اللّه عليهم ، فكان ميثاقا عاما للإنسانية كلها . - ففي الإحكام الأول ولا نقف عنده طويلا - وردت آيات عديدة تنص على الدين الواحد من حيث ضرورة عدم التفريق بين الأنبياء ، وضرورة الإسلام الكامل والإيمان التام بما وصفه اللّه ( صِبْغَةَ اللَّهِ ) ( البقرة 136 - 138 ) وباعتباره دين اللّه الواحد مهما تعدّد الأنبياء وتناثروا في أقطارهم . إنه وحي واحد ، قديم قدم الإنسانية ، متصل اتصال الدين الواحد ، أتى به الأنبياء من قصّ علينا أخبارهم ومن لم يقصص ، ومن كان من الأنبياء من له منقبة خاصة فضّل بها على غيره ومن لم يكن . من كان عربيا أو يهوديا أو من أمة أخرى ( النساء 163 - 166 ) . فلا بدّ من أن جميع الأنبياء أن يكونوا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ( النساء 165 ) ، حتى صارت فضيلة المساواة في نبوتهم وعدم التفريق في دينهم صفة لازمة للمؤمنين ( البقرة 285 ) لأنهما شريعة المسلمين ودعوة خطيرة يطلب من الرسول بيانها والاستقامة عليها وترك أهواء المفرقين المشتتين ، فإن اللّه أنزل كتبه ( بالحق والميزان ) وهي غاية الحكمة ومنتهاها ( الشورى 13 - 17 ) ، ف ( الميزان ) هو العدل الذي أقامه اللّه لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ( الحديد 25 - 27 ) المقترن بإنزال الحديد فيه بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وإن في الحكمة قوة العدل وقوة المادة معا . - الإحكام الميثاقي : فحكمة الأنبياء مسألة أو فرع من قضية الدين الواحد ، وقد أكثر اللّه منه بالنسبة إلى أهل الكتاب وبخاصة اليهود الذين نقضوا مواثيقه معهم بعد أن أغدق عليهم نعمه وجعلهم من خير زمانهم ، فإن في هذا النقض زهدا منهم بالحكمة الإلهية وإعراضا عن فضائلها فاستحقوا اللعن والطرد من رحمته ، وليس هنا مجال الحديث عنها ، وإنما يتجه البحث إلى الميثاق النبوي العام الذي يضمّ الإسرائيليين وغيرهم ، ولو أن هذه المواثيق التي أخذها اللّه عليهم تشبه إلى حد كبير مواثيق الأنبياء وحكمتهم عامة ، فقد كان ميثاقا غليظا موثقا بالعهود لا يحتاج معه إلى التصريح بالحكمة الموثقة ( الأحزاب 7 - 8 ) ، وميثاقا ضمنيا