نذير حمدان

107

حكمة القرآن والحضارة

وفي الملاءمة بين مكونات الإنسان المادية وعناصر الأرض والجو من حيث التربة والضغط ، ومع دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس الثابت ، إلى جانب عالم البحار والمحيطات الأكبر وأبعاد الأجرام السماوية عن الأرض ، ودقة نسب الأوكسجين ، وثاني أوكسيد الكربون لحياة الإنسان والحيوان والنبات من حكمة تسمية القرآن العديد من السور بأسماء الأجرام المختلفة ، يتخذ منها عبرة العلم والحكمة وعبرة الإيمان والعقيدة وعبرة المنفعة والتسخير . وكان من حكمة اللّه أيضا أن تنطق هذه النواميس الدقيقة الثابتة بلسان حالها وواقع أمرها وجمالية نظامها ، وأن يطوي القرآن هذه الصفة ( الحكيم ) هنا ويصرّح بها في مجالات قد تبدو بعيدة عن شمول الحكمة وتغلغلها فكرية وسلوكية هامة ، فإن في طيها هناك وصراحتها هنا عمق العمل الحكمي في أخطر مسائل اللّه والكون والإنسان والحياة . الدخول في السّلم كافّة : وذلك في قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( البقرة 208 - 209 ) . فهو سلم المؤمنين كافة ولجميع الأعمال ووجوه البرّ ، وبالدقة فهما ( سلمان ) متناسبان متلازمان : كافة الأشخاص لكافة الأحوال حتى أصبحا ( سلما ) واحدا . وهذا هو مقتضى الخطاب الإيماني يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا والذي يلهم أن الإيمان استسلام كامل وطاعة تامّة للّه ، وأن المؤمنين مؤهلون للدخول في السلم كافة ما داموا أسلموا ذواتهم له ، وأن دخولهم السلمي تربية وإعلام ومعاملة لجميع الأشخاص مؤمنين وغير مؤمنين ، فالمؤمنون مسالمون وداعون إلى السلام ، ويبلغون غيرهم السلام الذي فسره ابن كثير بالإسلام : يقول اللّه تعالى آمرا عباده المؤمنين به المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه والعمل بجميع أوامره ، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك . . . ولكن مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ من ( الحجج والشواهد على أن ما دعيتم إلى الدخول فيه هو الحق - فاللّه - غالب لا يعجزه الانتقام منكم ، حكيم لا ينتقم إلا بحق . روي أن قارئا قرأ ( غفور رحيم ) فسمعه أعرابي فأنكره ولم يقرأ القرآن ، وقال : إن كان هذا كلام اللّه فلا يقول كذا الحكيم ، فلا يذكر الغفران عند الزّلل لأنه إغراء عليه ) كما قال الكشاف .