نذير حمدان
108
حكمة القرآن والحضارة
إنّه ( إسلام ) مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( آل عمران 83 ) وطلب الدخول في رحاب السلم العام الشامل دخولا مجردا عن خطوات الشيطان العدو المبين ، دخول الطمأنينة والاستقرار والحقّ والخير بعد أن كان النّاس بعيدين عنه خارجين منه ، إنه دخول مستقيم لا يقدر الشيطان على تحريفه ، ودخول بيّن لا يمكن أن ينحرف ويزل . إن الدخول في السّلم كافة ترعاه حكمة اللّه الحانية الشاملة ، ليس دخولا فوضويا ولا اعتباطيا ولا أهوائيا ، وإنما هو الدخول المقصود الهادف لتحقيق السلم الذاتي والاجتماعي والإنساني . البيت المسلم والحكمة : الصالحون وأزواجهم وذرّياتهم : فتربية البيت المسلم وصلاح أفراده من أهم مقاصد الإسلام في الإصلاح والتغيير ، فالأسرة هي المحضن الطبيعي للعملية التربوية الناجحة ، والآباء والأمهات يشتركون في إنجاح هذه العملية فتنبت براعمهم في البيئة الصالحة لتحقق المجتمع الصالح . وحكمة اللّه واضحة وفاعلة في هذا المجال . فلا يتأتى صلاح الذرّية من فراغ ، ولا تتحقق التربية النوعية في إطار الفوضى والجهالة التربويين ، فالتربية بأصولها ومناهجها ونشاطاتها ومجالاتها في الترتيب السلمي الحكمي الذي طلب القرآن من عناصره الفعالة أن يصعدوا فيه درجة درجة ، وهو عمل دائب وفعالية مستمرة . فإذا كانت الأسرة خلية المجتمع فإن حيوية هذه العملية بمقدار صلاح العملية التربوية الحكيمة التي تحزم في وقت الحزم وتلين في حالة اللين ، وتقدم الرأي السديد بين الآراء ، والعاطفة الجميلة في مضمار العواطف . إنها توجه وتسدد وتبني وتنبه وتصرف وتحمي الشخصية القابلة للتوجيه والبناء والحماية ، وإن غرس المدركات العقلية والشعورية والروحية والخلقية من أولى مهمات البيت ومن أخطرها . والحكمة تقتضي أن يتحقق ذلك كله في المحضن الطبيعي والبيئة الصالحة لعملية الإصلاح النفسي والبدني والعقلي . وهو دعاء الملائكة بالمغفرة للتائبين السالكين سبيل اللّه ، دعاء ليقيهم عذاب الجحيم وإدخالهم جنّات عدن رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( غافر 8 ) .