احمد ياسوف
29
جماليات المفردة القرآنية
الوعي اللغوي النشيط أدبيا كان يجد في كل زمان ومكان « لغات » وليس لغة ، كان يجد نفسه أمام ضرورة اختيار اللغة » « 1 » . واختيار اللغة هاهنا يبدأ من اختيار المادة ثم الصّيغة ، وهذا مبدأ كل من ابن سنان وابن الأثير « 2 » ، إذ يبدأ جمال اللغة في كتابيهما : « سرّ الفصاحة » و « المثل السائر » بباب طويل السّرد والشرح عن جمال المفردة ، يليه باب جمال النظم ، وباب جمال الحروف ، وتبعهما رجال البلاغة في هذا الترتيب . ولا مندوحة لنا من أن نضيف إلى كلام « بختين » أن المبدع يجتاز حياد المعجم ، ويجتاز نشاطات الغير إن وقفوا على مادة نصه نفسها ، أو خطرت على قلوبهم التجربة الشعورية نفسها ، وهذا لا يعني أن تفقد المفردة حدّ المعقول ، فيجنح الشاعر إلى موقف هزلي بين المادة والموضوع ، فيصاب أدبه بداء الإغراب ، لأنه لا يطالب ببديل عن الواقع ، إنما يطالب بتلوينه بعيدا عن الخطل قدر المستطاع ، بحيث لا يخفق في استدامة العلاقة بينه وبين المتلقي ، مما يعود بالمفردة جثّة هامدة لا تمتّ بصلة إلى الوضع الاجتماعي . - خصوصية المفردة القرآنية : لقد أثبت البيان القرآني جدارته بصفة الربط بين المتلقّى والنص بوشائج متينة ، وهذا الاستحقاق يكمن في ديمومة ربط المرء بالواقع : الواقع النفسي في القدرة على إثارته على مرّ العصور ، فتنبش مكوّنات أساسية في السلوك
--> ( 1 ) بختين ، الكلمة في الرواية ، تر : يوسف حلاق ، ص : 54 . ( 2 ) عبد اللّه بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي الحلبي ، شاعر ، أخذ الأدب عن أبي العلاء المعري وغيره ، وكانت له ولاية بقلعة « عزاز » من أعمال حلب ، وعصي بها ، فاحتيل عليه ومات مسموما سنة 466 ه ، له ديوان شعر مطبوع وكتاب « سر الفصاحة » . انظر الأعلام : 4 / 266 . - ضياء الدين نصر اللّه بن محمد الجزري ، وزير من العلماء الكتاب ، ولد في الموصل ، وكان وزير الملك الأفضل بن صلاح الدين ، مات ببغداد سنة 637 ه له « المعاني المخترعة » في صناعة الإنشاء و « الوشي المرقوم في حل المنظوم » و « المثل السائر » و « الجامع الكبير في صناعة المنظوم والمنثور » و « ديوان رسائل » الأعلام : 3 / 110 .