احمد ياسوف
30
جماليات المفردة القرآنية
البشري ، وهاهنا مخاطبة الخالق لما خلق ، وكذلك الواقع المحسوس في تصوير جزئياته في الطبيعة الصامتة والمتحركة ، والمشاهد المألوفة ، وتقريب ما هو ليس بمألوف بإثارة الحواسّ والبصيرة ، واستدامة صورته الفنية هي نتيجة ثبات الحواسّ وتأكيده على ربط الصورة بالحواسّ ، وهكذا لم يرفض الواقع ، بل نهض به ولوّنه . ولغة القرآن الكريم عربية ، ولا نحبّ أن نثبت له الصّفة الدينية فقط ، أو الجهة العلوية ، لنقرنه بالسّموّ ، فهذا لا يدحض كلام جاحد ، ولا يدفع هجوم منكر ، والصحيح أن هذا الكتاب العظيم استخدام المفردات العربية أحيانا في غير مجالها المعهود ، ففي مجال المضمون قلّص دلالات كثيرة ، وبثّ فيها المعاني المغايرة بصبغتها الدينية ، والشواهد كثيرة على هذا كالمصطلحات الدينية في العقيدة والتشريع « صلاة ، نفاق ، صراط . . » . وإذا كان جمال مفرداته من مصدر إلهي ، فهذا يعني بالضبط سموّ الفن القرآني في مضمار الفن الأدبي ، وحجّته الأولى هي اللسان العربي الفصيح ، وطبيعة الفن ، وليس الدافع الديني ، فنحن نلمس السرّ الإلهي في الكلام المبين من خلال الآثار الجليّة التي تدلّ على وجوب الاعتراف بالبيان لمن علّم البيان ، يقول عبد الكريم الخطيب : « أفاض اللّه سبحانه عليها - الكلمات - هذا الفيض ، ونفخ فيها من روحه ، كما نفخ في عصا موسى ، لكنه مع ذلك أبقى على تلك الكلمات طبيعتها التي يعرفها الناس منها ، كما أبقى على عصا موسى طبيعتها كذلك » « 1 » . وهذا السر الإلهي ليس خفيّا على متذوق للعربية وفنّ الكلام ، وهذه الخاصية للمفردة القرآنية تسري في الآيات في تلاؤم تام ، ولا يمكن أن نعدّها تفضّلا أو ترفا ذهنيا ، كما هي الحال في كثير من الأدب ، وهي - المفردة - سامية بنسبتها إلى منزلها في إطار من البيان الذي يعيه العرب خاصة ، فعلى قدر ما تكون الجهة المبدعة قوية ، تخرج الكلمات قوية مؤثرة ، وقريب من هذا ما يقوله لا سل آبر كرمبي : « إن المهارة في الأدب لا تتناول سوى الألفاظ التي
--> ( 1 ) الخطيب ، عبد الكريم ، 1964 - إعجاز القرآن ، ط / 1 ، دار الفكر العربي بمصر ، 2 / 295 .