احمد ياسوف
26
جماليات المفردة القرآنية
لا تقف المفردة الأدبية في حياد المعجم ، فإن غزت موضوعها واستوعبته تملّكته ، فكانت آية في الجمال ، وإن خسرت معركتها اقتربت من الفوضى والهذيان ، وصارت إلى زوال وابتذال ، يقول بختين في هذا الصّدد : « الكلمة في الفكر الأسلوبي التقليدي لا تعرف إلا ذاتها أي سياقها هي ، وموضوعها هي ، وتعبيريتها المباشرة ولغتها الواحدة الوحيدة ، أما الكلمة الأخرى الموجودة خارج سياقها ، فلا تعرفها إلا بوصفها كلمة محايدة من كلمات اللغة ، إلا كلمة لا تخصّ أحدا ، إلا مجرد إمكانية كلامية » « 1 » . ولعل هذه المعجمية هي التي نفّرت الدارسين - ولا سيّما القدامى منهم - من استقلال المفردة بالجمال ، وحقّها بالمقام الرفيع ، لأنها في نظر بعضهم موجودة في الصفات نفسها قبل أن يشملها التشكيل اللغوي ، وترعاها الفنون من هنا وهناك ، وفي هذا تقصير ، لأن المفردة أثبتت جدارتها في حاجة التشكيل إلى مادة بعينها ، وليس إلى غيرها من ذلك الرّصيد الواسع في نطاق المعجم ، ليكمل التشكيل بناءه الجمالي . وهذا هو الفرق بين الكتابة العلمية والكتابة الأدبية ، فالأولى لا تهتمّ بالانتقاء ، لأنها لا تعنى بالاعتبارات الوجدانية ، فتقلع عن جمال النحو بعلائقه المؤثرة ، كما تقلع عن جمال الصرف الذي يعطي الصيغة الفاعلية الجمالية ، وتتجاهل الفروق الدقيقة بين المفردات ، كل ذلك لأنها كتابة مباشرة لا تخاطب الشعور ، والمفردة في مضمارها إن هي إلا وسيلة لمخاطبة العقل مباشرة . أما الكتابة الأدبية فهي بناء لغوي جميل ، والأديب يرى أن المفردة كائن حي ودلالة حيوية ، تقوم بوظيفة نقل المشاعر في صيغ مغايرة للاستعمال المعهود ، ولا تنتهي غايته عند صياغة الفكرة فقط ، بل عند بثّ الروح في حنايا الكلمات ، فتغدو بدائل عنه ، وهذه المعايشة بين المفردة والمبدع تحتاج إلى وقفة ذوقية لأجل عملية الانتقاء ، لأن الكلمة سترسم صاحبها بملامح جسدية ، وملامح ذهنية في سجلّ خيالي ، وهذا ما يحوجه إلى التأمل في المفردة قبل
--> ( 1 ) بختين ، ميخائيل ، 1988 ، الكلمة في الرواية ، ط / 1 ، تر : يوسف حلاق ، وزارة الثقافة ، دمشق ، ص 29 .