احمد ياسوف
27
جماليات المفردة القرآنية
وصولها إلى النص ، فيغربل المفردات ، لأنه يخشى زللها . يقول برتيليمي مشيدا برفعة الكتابة الأدبية : « في الوقت الذي يهتم فيه الفيلسوف بالحقائق والأفكار فحسب ، ويقف فيما وراء الألفاظ ، يقف الشاعر فيما قبلها ، لأنها ليست بالنسبة إليه علامات فحسب ، بل هي كذلك - وقبل كل شيء - كائنات ينظر إليها ، ويفحصها ويتأمل فيها ، ويعجب بها ، كما يعجب الإنسان بحصاة أو بحشرة أو بطير ما » « 1 » . فالكلمة تترك ساحة دلالتها اللغوية عندما تكون في الأدب ، وإذا كنا نحن إزاء دراستها في القرآن ، فهل يطبّق هذا الرأي عليها ؟ . هنا تتجلى ميزة القرآن ، فهو كتاب هداية وعلم ، وليس يقصد الفن الأدبي وحده فيه ، فهو موجود ليتمم الفكرة الدينية ، ويوصلها في أجمل وأبهى صورة ، وهو كتاب علم وعقيدة وتشريع سماوي ، ومواعظ وأخبار ، وعلى الرغم من هذا لم تؤثر فيه علميته في أن يبقى منها بلاغيا ، ونصا أدبيا راقيا . ومن يطوّف في رحاب التفاسير اللغوية البلاغية يجد وقفات طويلة في مفردات السور المدنية التي كان طابعها التشريع ، لأن التشريع قد عني أيضا بنفسية المؤمن ، ومن خلال رسم السلوك البشري السّوي ، وإلقاء الأوامر الإلهية ، إذ برزت للدارسين جماليات في مناسبة المقام بمفردات تختزن طاقة وجدانية كبرى . ولا شكّ في أن المفردة تكتسب هذه الميزة الجديدة من الظلال الروحية التي تحيط بها داخل النص ، فتتخذ لها معاني ثانوية يجود بها الموضوع المرتجى ، وهذا ما أسماه أحمد الشائب بالصفات الهامشيّة ، إذ قال عن كلمة « الربيع » : « حين تقتصر على المعنى المعجمي المحايد ، فهي تعني هذا الفصل من العام ، وما فيه من اعتدال الجو ، وكثرة الخضرة ، وهذا ما يدعى بالدّلالات المركزية ، وهي تليق بعلماء الطبيعة . . ولكن الربيع لدى الأديب حين يستغل عاطفته ، ويشحن دلالته بصفات هامشية ، يكون الربيع مبعث حزن أو فرح
--> ( 1 ) برتيليمي ، جون ، 1970 - بحث في علم الجمال ، ط / 1 ، تر : د . أنور عبد العزيز ، مؤسسة فرنكلين للطباعة والنشر ، القاهرة - نيويورك ، ص / 286 .