احمد ياسوف

19

جماليات المفردة القرآنية

يحتوي المضمون ويتّحد به ، وبحيث لا ينفصمان ، وما الإعجاز البياني إلا الشكل الراقي لدعوة البشر إلى الحق . ويمكننا أن نقول إن الجميل في القرآن هو كلّ ما ترتاح إليه النفس بعد مروره بالحواس ، وذلك في الطبيعة والحياة الاجتماعية ، وفق ما يقتضي الخير والشر من مظاهر وعلاقات إنسانية ، وذلك بالإضافة إلى جمال الأفكار والمشاعر الذي ينسكب في الباطن ، ويحدث لذة جمالية معنوية وفق طبيعة النفس الإنسانية كما فطرها الخالق عز وجل . والجميل في القرآن كل ما يخاطب المشاعر ، وما يتصف بمعنى المؤثّر في أرقى أشكاله ، إن في تصوير ما ترتاح إليه العين والأذن ، أو في ما ينفّر عنه التصوير من خلال دقّة بارعة لتصوير القبيح ، كما في رسم مشاهد الكفار ، ولذلك نقول : إن الغائية الأخيرة في الجمال القرآني غائية دينية ، هي هداية البشر بالترغيب والترهيب ، وإن هذه الغائية تعتمد على فنون اللغة بغناها ، وتبثّ فيها روح السموّ ، فالقرآن معجزة بيانية . ولا بدّ هنا من توضيح المقصود من كلمة ، « مفردة » ، فهي ذلك الكائن الذي يساهم في الفن القولي في أسلوب القرآن ، وهو موضوع البحث ، ولا ترادف مصطلح الكلمة ، لأن الكلمة قد تعني أحيانا كل العمل الأدبي ، فهي أداته الفنية ، كما أن النغمات أداة الموسيقا ، وتعني بالتالي المادة التي ينسج منها النصّ ، وهي تشتمل حسب تقسيم النحاة على الاسم والفعل والحرف ، إلا أن الحروف تخرج عن نطاق هذا البحث ، لأنها أعلق بمسألة النظم أي ما يربط بين المفردات ، وقد أفاض الجرجاني في هذا . فالمفردة تعني الاسم ، وتعني الفعل حين يرتبط الاسم بعامل زمني معيّن ، ويدلنا المعجم على أن المفردة تلتقي مع الفرد والإفراد والمفرد والفرديّة والجوهرة الفريدة والانفراد ، وتدل على العدد واحد ، وهذا كله نقيض التثنية والجمع ، يقول تعالى على لسان النبي زكريا عليه الصلاة والسلام : رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ « 1 » .

--> ( 1 ) سورة الأنبياء ، الآية : 89 وانظر المعجم الوسيط ، 2 / 686 .