احمد ياسوف

14

جماليات المفردة القرآنية

يزيدها حسنا ، وهكذا نجد أنه يربط الجمال - أو الحسن على حدّ تعبيره - بالمنفعة خلافا للمدرسة الغربية المعاصرة ، والجميل عنده موضوعي ، ينبغ جماله من شكله ، وتركيب أعضائه وجزئياته ، إذ يقول : « وربّ شيء إنما الأعجوبة فيه إنما هي في صورته وصنعته وتركيب أعضائه وتأليف أجزائه ، كالطاوس في تعاريج ريشه وتهاويل ألوانه ، وكالزّرافة في عجيب تركيبها ومواضع أعضائها . . أو يكون العجب فيما أعطي في حنجرته من الأغاني العجيبة والأصوات الشّجية المطربة والمخارج الحسنة » « 1 » . فقضية استيعاب الجميل تعتمد على الحسّ ، لأن الجميل هنا موضوعي محسوس ، فهو يدل على حاسّة البصر في جمال شكل الطاوس والزّرافة ، وعلى حاسة السمع في جمال أصوات الطيور المغرّدة ، وكذلك يدلّ على تناسق الشكل الذي ترتاح إليه العين ، ولا تختلف مدارس علم الجمال في اختصاص هاتين الحاستين بإدراك الجمال . ولا يكتفي بالحواس الظاهرة ، إنما يعدّها سبيلا إلى مكمن المشاعر أو القلب حسب تعبيره ، إذ يقول : « وإذا رفعت القينة عقيرة حلقها تغنّي حدّق إليها الطّرف ، وأصغى نحوها السمع ، وألقى إليها القلب الملك ، فاستبق السمع والبصر أيهما يؤدّي إلى القلب ما أفاد منها قبل صاحبه » « 2 » . ولا يقتصر الجمال عنده على المحسوس المرئي أو المسموع ، فهناك جمال معنوي مجرّد يتملّاه العقل أو القلب ، ونحن نلتمس هذا من خلال حديثه عن القبيح ، إذ يقول عنه : « الضيق في الملوك ، والغدر في ذوي الأحساب ، والحاجة في العلماء ، والكذب في القضاء ، والشّح في الأغنياء » « 3 » . وهذا الجمال المعنوي الأخلاقي لا يبتعد عن الشريعة الإسلامية ، كالوفاء والعفّة والصدق والكرم والشجاعة ، إلا أنه يريد شدة القبح في حالات معينة .

--> ( 1 ) الجاحظ ، الحيوان : 5 / 150 - 151 . ( 2 ) الجاحظ ، 1964 ، رسائل الجاحظ تحقيق عبد السلام هارون ، مكتبة الخانجي ، القاهرة 2 / 170 . ( 3 ) الجاحظ ، البيان والتبيين ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، بلا تاريخ : 3 / 233 .