احمد ياسوف
15
جماليات المفردة القرآنية
وإذا كان الجاحظ يكتفي بالحديث عن الجميل الموضوعي والمعنوي الأخلاقي فإن أبا حيّان التوحيدي « 1 » يركّز على الجمال المعنوي ، ويضع العقل معيارا لفهمه ، ويبسط القول على صفات اللّه قائلا : « وهي من الحسن في غاية لا يجوز أن يكون فيها وفي درجتها شيء من المستحسنات ، لأنها هي سبب كل حسن ، وهي التي تفيض بالحسن على غيرها « 2 » . فالخالق عزّ وجلّ هو الجميل المطلق ، وهو خالق الجمال النسبي في الكون ، فصفات اللّه هي أصل الحسن في المخلوقات ، وأبو حيان يتحدث عن الجميل المعنوي ، ويربطه بالخير ، ويجعل العقل وحده معيارا في تذوقه واستيعابه ، يقول : « إن العقل لا يستحسن ولا يستقبح شيئا من الأشياء إلا بقرائن وشرائط ، وهكذا الحال في الأشياء التي تعرف بالخير والشر ، إن القصاص إذا وقع عليه هذا الاسم لما فيه من حياة الناس ، وإذا وقع عليه اسم القتل بغير هذا الاعتبار صار قبيحا لما فيه من تلف الحيوان » « 3 » . فالفعل لا يتّصف بالجمال أو القبح ، حتى يتضح أثره وفائدته ، أو ضرره في المجتمع ، أو دلالة الشّرع ، وهذا ما رامه بقوله : شرائط وقرائن ، وبما أن الجميل هنا معنوي ، فتناسب ربطه بالخير ، على حين ربط الجاحظ الجميل الحسي بالمنفعة . ومعيار العقل مستمر في حكمه لا يتغير بتغير الأحوال ، فهو يقول : « ما يستحسنه العقل ، فهو أبدى الاستحسان له ، وما يستقبحه ، فهو أبدى الاستقباح له ، ولا يتغير ذلك بتغير الأحوال » « 4 » .
--> ( 1 ) هو علي بن محمد بن العباس التوحيدي المتوفى سنة 400 ه ، فيلسوف متصوف معتزلي ، أحرق كتبه في آخر حياته ، ومن كتبه « المقابسات » و « الإمتاع والمؤانسة » و « الصداقة والصديق » و « الهوامل والشوامل » اتّهم في دينه ، انظر الأعلام : 5 / 144 . ( 2 ) التوحيدي ، أبو حيان ، 1952 ، الهوامل والشوامل ، تح : أحمد أمين وأحمد صقر ط / 1 ، لجنة التأليف والنشر والترجمة » ، القاهرة ، ص : 43 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص : 147 . ( 4 ) المصدر السابق ، ص : 316 .