طاهر سليمان حموده
364
جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )
كتاب « النكت » الذي وضعه السيوطي استجابة لهذا الاتجاه ، بيد أن السيوطي قد ظهرت شخصيته الواعية وعقليته النحوية المحددة في هذا الكتاب إلى أكبر حد . ولم يكتف السيوطي بأن يعكف على دراسة كتب المتأخرين من الأندلسيين والمصريين ، وينتقدها أو يشرحها ، ولكنه أراد - كما هو شأن العصر - أن يصنف في النحو موسوعة تشمل جميع أبوابه ومباحثه ، وقد فعل ذلك بنجاح في كتاب « جمع الجوامع » الذي شرحه « بهمع الهوامع » ، ومصنفات السيوطي التي عرضنا لها آنفا تبين لنا جهوده الخصبة والوفيرة في الدرس النحوي . على أن هذه الكتب تمثل بحق ذلك العصر الذي عنى بالجمع والترتيب والتنسيق ، وتنويع المصنفات ما بين مختصر ومطول ومتن وشرح ومنظوم ومنثور وموشح . ولكن ذلك لا يعني انصراف عنايته إلى النواحي الشكلية دون المضمون ، ولا يغض ذلك منه نحويا كبيرا عرفته البيئة المصرية ، وأسهم بدور كبير في العمل النحوي . والحقيقة أنه إنصافا لهؤلاء النحاة ينبغي أن نقول إن النحويين جميعا بعد الخليل وسيبويه لم يكن إبداعهم وابتكارهم إلا في حدود ضيقة إذا ما قورنت بصنيع الرجلين من قبل ، ويمكن أن نقول : إن النحاة جميعا بعد مدرستي الكوفة والبصرة قد قلت لديهم الابتكارات النحوية وأصبحت مذاهبهم في غالبها ترجيحا لآراء احدى المدرستين السالفتين ، ومع ذلك فلا يمنع هذا من تناول كل منهم منفردا لبيان مقدار جهوده واستيضاح منهجه والوقوف على اجتهاداته . ويتميز السيوطي بتقصي الموضوعات النحوية التي يعرض لها ، ومحاولة استيفاء جزئياتها والاستدراك على النحاة بعض ما فاتهم ، كما أنه في منهجه يتبع ما تميزت به المدرسة المصرية في التخير من آراء المدارس السابقة مع شيء من التغليب لمذاهب الأندلسيين ، ويتخير من آراء النحاة السابقين عموما ما تتجه علله ، وتستبين براهينه ، ومن حين إلى آخر نظفر بآراء خاصة له أو مفاهيم جديدة تجاه بعض المسائل .