طاهر سليمان حموده
362
جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )
عليه هذا الاتجاه ، في حين أنكر أبو حيان الاستشهاد بالحديث مطلقا ، وتوسط الشاطبي فأباح الاستشهاد في الأحاديث التي يعلم أن العناية فيها متجهة إلى نقلها بألفاظها . وقد أحدث ابن مالك لفتة نحوية شغلت القوم بمنظومته التي وضعها وتوفر على شرحها معظم النحاة من بعده ، وكان له اختيارات من مذاهب البصريين والكوفيين والبغداديين وسابقيه من الأندلسيين ، بالإضافة إلى اجتهاده الفردي ، وقد وقف موقفا جديدا تجاه الشاذ الذي يجعله الكوفيون أساسا صالحا للقياس عليه ، ويمنع البصريون القياس عليه ويعمدون إلى تأويله ولو كان في ذلك من التكلف غير قليل ، أما ابن مالك فإنه « يحكم بوقوع ذلك من غير حكم عليه بقياس ولا تأويل بل يقول إنه شاذ أو ضرورة . . . قال ابن هشام : وهذه الطريقة طريقة المحققين وهي أحسن الطريقين » « 1 » . لذلك لقي مسلك ابن مالك استحسانا من النحاة المتأخرين ومنهم السيوطي ، وقد أثر الأندلسيون بصفة عامة ، وابن مالك بصفة خاصة في البيئة المصرية حيث رحل كثير منهم إلى مصر أو إلى الشام ، وأقاموا عاكفين على الدرس بعد أن أخذت دولة الأندلس في الذبول . ويهمنا الحديث عن البيئة المصرية في عصر المماليك الذي ظهر السيوطي في أواخره ، والنشاط النحوي في هذا العصر متميز عنه في العصور السابقة ، فبالرغم مما عرفته مصر من ألوان هذا النشاط قبل ذلك ، ومن ظهوره كثير من النحاة بها فإنهم في الغالب كانوا تابعين للمدارس الثلاث الأول مع ترجيح بين آرائها ، وبعض اجتهادات خاصة . وقد وفد على مصر في القرنين السابع والثامن للهجرة بعض نحاة المغرب والأندلس الذين أحدثوا بالبلاد نشاطا كبيرا ، ونبغ على أيديهم أئمة النحو في مصر ، فمنهم ابن معط المغربي ( 628 ه ) صاحب المنظومة التي أشار إليها ابن مالك ، وابن مالك وأبو حيان وغيرهم ، ولا تلبث البيئة المصرية في ذلك الحين
--> ( 1 ) الاقتراح ص 86 .