طاهر سليمان حموده

349

جلال الدين السيوطي ( عصره وحياته وآثاره وجهوده في الدرس اللغوي )

النحو ، وهو ما لم يتنبه إليه ابن الأنباري الذي ألف في الأصول من قبل . والواقع أن التدرج التاريخي واستقرار علم أصول الفقه بحيث درج الفقهاء على أن يبدءوا مؤلفاتهم بالمقدمات اللغوية التي تهم الأصوليين ، ثم يتحدثون بعد ذلك عن الأصول الأربعة القرآن والسنة والاجماع والقياس ثم يتبعون ذلك ببقية الأدلة ، هو الذي حدا بالسيوطي إلى أن يرتب كتابه على النحو الذي انتهى إليه الفقهاء في أصولهم ، ولعل هذا الترتيب لم يكن قد استقر عند وضع ابن الأنباري كتابه ، وقد عبر السيوطي عن سبقه وابتكاره في هذا الكتاب قائلا : إن « جمعه وترتيبه صنع مخترع ، وتأصيله وتبويبه وضع مبتدع » « 1 » . ثالثا : المقدمات التي قدم بها السيوطي لكتابه لم يتناولها ابن الأنباري ، وقد تشتت وتفرق بعضها في مباحث ابن جني ، بينما جمعها السيوطي وجعلها بمثابة المقدمات لهذا الكتاب ، وقد تناول فيها باختصار شديد يبين فهمه أنها مقدمات لهذا العلم وليست من أصوله ، تناول فيها حدود النحو واللغة والقول في نشأة اللغة ومناسبة الألفاظ للمعاني ، والدلالات النحوية ، كما تناول الحكم النحوي وقسمه كتقسيم الفقهاء للحكم الفقهي إلى واجب وممنوع وحسن وقبيح وخلاف الأولى وجائز على السواء « فالواجب كرفع الفاعل وتأخيره عن الفعل ، وجر المضاف إليه وتنكير الحال والتمييز ونحو ذلك ، والممنوع كأضداد ذلك ، والحسن كرفع المضارع الواقع جزاء بعد شرط ماض ، والقبيح كرفعه بعد شرط المضارع ، وخلاف الأولى تقديم الفاعل في نحو « ضرب غلامه زيدا » ، والجائز على السواء كحذف المبتدأ أو الخبر وإثباته حيث لا مانع من الحذف ولا مقتضى له » « 1 » . وهذا التقسيم تحت هذه المصطلحات الأصولية لا نجده عند ابن جني ولا عند ابن الأنباري ، وقد قسمه أيضا إلى رخصة وغيرها ، فالرخصة ما جاز استعماله لضرورة الشعر وتتفاوت الضرورة حسنا وقبحا ، وقد بين السيوطي مراتب الحسن والقبح في الضرورة الشعرية ممثلا بالأمثلة « 3 » .

--> ( 1 ) الاقتراح ص 10 . ( 3 ) الاقتراح ص 11 ، 12 .