محمد بن عبد الله بن علي الخضيري

739

تفسير التابعين

وبرع مجاهد في استخراج الكليات ، وبيان المشكل ، وتفسير الغريب ، مما يؤكد حسن استخدامه لهذه المنحة الإلهية له بالعقل والفطنة ، يلمس ذلك من يقرأ له في مجال بيان الآيات المشكلة خصوصا . أما صفة الحفظ ، فهي من الصفات التي اختص اللّه بها بعض الناس دون بعض ، ويتفاوت الحفاظ فيما يحفظونه ، كما سبق القول عن قتادة ونحوه ، فلربما كان قتادة أقل ذكاء من مجاهد ، ولكن لم يمنعه ذلك من أن يبرز وينتشر علمه انتشار علم مجاهد ، بل وأكثر بالنسبة للعراق ؛ لأن اللّه وهبه الحافظة القوية ، فحفظ كثيرا وجمع شيئا عظيما ، فلما كان دور الرواية انتقى من محفوظه ، واختار من مجموعه ، وألقاه للناس في عبارة جميلة ، وأساليب فصيحة بليغة أحيانا ، بسبب تأثره بالحسن ، وبعبارة فقهية دقيقة في آثار أخرى ، بسبب تأثره بسعيد بن المسيب ، ولذا حمل الناس عنه العلم ، وتناقلت أقواله الألسن ، وانتفع به القريب والبعيد إلى يومنا هذا ، وهذا كله من نتاج الاستخدام الجيد للصفة الفطرية ، والمنحة الربانية ، التي ما منا إلا وله نصيب منها ، ولكن فضل اللّه في استخدامها والانتفاع بها يؤتيه من يشاء . 5 - الورع : الورع من الصفات الحميدة التي يتصف بها المؤمن ، وإذا كان الورع محمودا في شيء ، فإنه يكون أشد فضلا وأعظم قدرا في مجال الدين والقرآن والسنة ، للنصوص الواردة في ذم التكلف والفتيا بغير علم ؛ ولذا كان جمهور السلف يعظم شأن التفسير . وليس المراد هنا إعادة ما سبق تقريره من ورع هذه المدرسة أو تلك ، وإنما المراد بيان أثر هذه الصفة على التفسير ، مع التأكيد أن من اجتهد في التفسير لم يكن مقدما على محرم ، ومن ترك الاجتهاد لم يكن تاركا للأفضل ، وإنما هي السلامة ينظر إليها هذا بنظرة شاملة لما حوله من عوامل فيخرج لنا برأي ، وينظر إليها ذاك فيرى أن الإمساك بها