محمد بن عبد الله بن علي الخضيري

740

تفسير التابعين

هو قلة الاجتهاد ، وكلهم كان على خير وفضل . إن وجود مثل هذا في الأمة يدل على ظاهرة طيبة ، فلو لا وجود ورع سعيد بن المسيب - وهو عالم العلماء - والنخعي ، لأقدم من لا علم له على الخوض في كتاب اللّه بالحق تارة وبالباطل تارات ، وفي المقابل لولا إقدام مجاهد والحسن لضاع علينا فرصة الاستفادة من علوم هؤلاء ، ولجاء من بعدهم فأفتى في كتاب اللّه بغير علم فضل وأضل . إن الكلام على ورع ابن المسيب وعروة لا يعني أنهم كانوا لا يفقهون شيئا من القرآن ، بل قد احتفظت لنا كتب التفسير بالكثير من اجتهاداتهم ورواياتهم في تفسير القرآن ، إلا أنها في الغالب لا تتعدى المعلوم والمعروف ، فاكتفوا بالآثار التي نقلوها عن النبي وصحابته ، وما عز عليهم فهمه وكلوه لعالمه ، ولم يتجرءوا على الخوض فيه ورعا ، وخاض غيرهم طلبا للأجر ، فالكل مصيب من وجه ، فالحسن مثلا تكلم احتسابا ، أما ابن سيرين فقد سكت احتسابا وكلاهما ينتمي لمدرسة واحدة « 1 » . وحفل لنا التراث التفسيري بهذه النماذج الخيرة حتى ننسج على منوالهم ، فلا يترفع عالم عن ورع ولا يقدم طالب عن جرأة . وصفة الورع يمكن أن تبحث مع المطلب السابق ( الصفات الفطرية ) إلا أنه لأهميتها - كما بينتها - رأيت أن أفردها باعتبارها سببا رئيسا لتفاوت الاجتهاد عند التابعين ، ونحاول هنا أن نتعرف على حالهم في هذه الصفة وأثر ذلك على الاجتهاد والتفسير . قال ابن عطية : إذ كان جلة من السلف كابن المسيب ، والشعبي ، وغيرهما يعظمون تفسير القرآن « 2 » .

--> ( 1 ) وقد سبق بيان الفرق بين هذين الإمامين في مبحث المقارنة بين البصريين ص ( 432 ) . ( 2 ) تفسير القرطبي ( 1 / 27 ) .