محمد بن عبد الله بن علي الخضيري

720

تفسير التابعين

ولم يقتصر فعل المدرسة المدنية على الإحجام فحسب ، بل تعدى ذلك إلى الإنكار كما أشرت إليه آنفا ، فإنه لما قدم إمام مكة في التفسير عكرمة ، والذي قيل فيه : إن تلاميذ ابن عباس عيال عليه ، جلس يحدث الناس بالتفسير أنكر سعيد بن المسيب عليه ، وقال لمن يسأله : لا تسألوني وسلوا من يزعم أنه لا يخفى عليه شيء « 1 » . وترتب على هذا الورع الذي كان عند علماء المدينة ، أننا لم نلحظ المحاولات التفسيرية الأولى إلا في الطبقة الثانية التي تلي طبقة كبار التابعين كطبقة محمد بن كعب ، وزيد بن أسلم ، على قلة التفسير المنقول عنهم ، مع تقدمهم في تحصيل علومه ، وأحسب أن من أهم الأسباب التي أدت إلى ذلك ؛ أن المحيط المدني كثر فيه الحديث ، والأثر والفقه ، فغلب على رجالاته كما سبق دراسته في خصائص المدرسة المدنية « 2 » . ولا تخرج المدرسة الكوفية عن محيط هذا الضرب أيضا ، فقد قل نصيبها في باب الاجتهاد في التفسير ، ولم نجد من المحاولات التفسيرية إلا ما كان عند متأخري التابعين ، كالسدي ذي الأصل الحجازي ، فقد تصدر هذا الميدان وأكثر فيه ، مما جعل الشعبي إمام الطبقة الوسطى من التابعين في هذه المدرسة ينهاه ويعيب تفسيره ، فما وجد السدي بدا من أن يحتمي لرد ذلك ببيان حاله وأنه لم يجتهد في هذا التفسير ، إنما هو منقول عن ابن عباس ، فإن كان صوابا فهو قاله ، وإن كان خطأ فهو قاله « 3 » . ومع ذلك فقد نقلت جملة صالحة عن مدرسة الكوفة في طبقة الشعبي والنخعي ، في باب الاجتهاد ، ولا سيما في تفسير آيات الأحكام واستنباط الأحكام الشرعية منها « 4 » .

--> ( 1 ) مرّ ذلك في ترجمة سعيد ص ( 347 ) . ( 2 ) ينظر ص ( 595 ) . ( 3 ) ينظر في ذلك ترجمة السدي ص ( 301 ) . ( 4 ) تراجع ترجمة الشعبي ص ( 324 ) ، وترجمة إبراهيم ص ( 337 ) .