محمد بن عبد الله بن علي الخضيري
550
تفسير التابعين
وثمة أمر آخر ، وهو أن ابن عباس - رضي اللّه عنه - أكثر من التفسير في حين أن شيوخ المدارس الأخرى كانوا يتحاشونه في الجملة ولم يفسحوا المجال لتلاميذهم للانطلاق ، فقلّ المروي عنهم في ذلك ، أما المكيون وخصوصا مجاهدا ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، فقد انطلقوا يقيسون ما لم يسمعوا على ما سمعوه ، بل وفتح ابن عباس لهم باب الحوار والنقاش ، بعد أن اطمأن إلى تحصيلهم وأهليتهم ، فجعلوا يراجعونه ويعارضونه مما شجعهم على التوسع في مجال الاجتهاد . لقد كان ابن عباس ، نعم المربي - رضي اللّه عنه - فلقد كان ذا شخصية فريدة في زمانه ، قال يوما لأصحابه : أتدرون ما ذهاب العلم من الأرض ؟ ، قلنا : لا ، قال : أن يذهب العلماء « 1 » . فلا غرو إذا أن يكون لهذا التوسع في الاجتهاد في المدرسة المكية ، وبعدها البصرية ، الأثر البالغ على مدارسهم ، فقد سد هذا التوسع كثيرا من الحاجة الملحة في طبقة التابعين في تينك المدرستين ، ولذا نجد أن أتباع التابعين في مكة والبصرة اقتصر دورهم على الرواية ، والنقل ، إذ لم يدع لهم شيوخهم بابا للاجتهاد إلا وسبقوهم إليه . أما المدارس التي تورعت فقد كان لهذا الإحجام على الاجتهاد أثره في طبقة صغار التابعين ، وتابعيهم ، إذ توسعوا وكثرت أقوالهم تبعا لكثرة الحاجة لمعرفة وبيان معاني كثير من الآيات ، فتوسع السدي ، وبعده الضحاك في الكوفة ، ومثلهم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في المدينة وغيرهم . ولقد ظهرت قوة اجتهاد واستنباطات مدرسة التابعين المكية في نواح كثيرة منها :
--> ( 1 ) العلم لأبي خيثمة ( 121 ) .