محمد بن عبد الله بن علي الخضيري
549
تفسير التابعين
وقد يلحظ الباحث أسبابا أخرى لهذه الكثرة في المنقول ، اجتهادا عنهم ، لعل أبرزها هو شخصية شيخ المدرسة حبر الأمة عبد اللّه بن عباس - رضي اللّه عنهما - . فلقد كان ترجمان القرآن ابن عباس ممن فتح اللّه عليه ؛ استجابة لدعوة نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلّم ، عندما دعا له بالفقه ، والحكمة ، ولقد أعمل - رضي اللّه عنه - الفكر والاستنباط في استخراج المعاني العظيمة ، والاجتهادات القيمة من الآيات ، ولا أدل على ذلك من قول شقيق بن سلمة ، قال : خطب ابن عباس وهو على الموسم ، فافتتح سورة البقرة ، فجعل يقرأها ويفسرها ، فجعلت أقول : ما رأيت ، ولا سمعت كلام رجل مثله ، لو سمعته فارس والروم لأسلمت « 1 » . أضف إلى ذلك ما حباه اللّه من قوة حافظة ، وذكاء فطري ، ونظر ثاقب ، كل هذا أثر في شخصية الآخذين عنه . وإذا عرفنا أن ابن عباس - رضي اللّه عنه - لم يكتف فقط بإلقاء العلم على تلاميذه ؛ حتى أضاف إلى ذلك المنهج التربوي « 2 » . اتضح لنا بذلك مدى الأثر الذي تركه في نفوس المكيين من تلامذته ، بل وسواهم ممن تتلمذ عليه من أهل الآفاق كأبي العالية ، وغيره . لقد كان ابن عباس يأمر أصحابه بالانطلاق في الاجتهاد ، والتصدي لإفتاء الناس بما علموه منه وسمعوه ، فقد ذكر سعيد بن جبير أنه لما جلس مع ابن عباس ، وجاء سائل أمر ابن عباس سعيدا أن يفتيه بحضرته مدربا له ومربيا على الاجتهاد ، في حين توقف التابعون عن الفتيا بحضرة شيوخهم في سائر المدارس التفسيرية الأخرى .
--> ( 1 ) وقد سبق تفصيل ذلك ، وإيراد العديد من النصوص المبينة لمدى علمه بالتأويل وتقدمه فيه - رضي اللّه عنهما - ينظر ص ( 383 ) . ( 2 ) سبق بيانه في ترجمته - رضي اللّه عنهما - ص ( 390 ) .