محمد بن عبد الله بن علي الخضيري
533
تفسير التابعين
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، واشتد خصام أهل العراق في القراءة في غزوة أرمينية سنة ثلاثين ، حتى كفر بعضهم بعضا ، فقد روى ابن جرير الطبري بإسناده عن زيد بن ثابت في خبر جمع القرآن أنه قال : « إن حذيفة بن اليمان قدم من غزوة كان غزاها مرج أرمينية ، فلم يدخل بيته حتى أتى عثمان بن عفان فقال : يا أمير المؤمنين ، أدرك الناس ! فقال عثمان : وما ذاك ؟ قال : غزوت مرج أرمينية ، فحضرها أهل العراق وأهل الشام ، فإذا أهل الشام يقرءون بقراءة أبي بن كعب ، فيأتون بما لم يسمع أهل العراق ، فتكفرهم أهل العراق ، وإذا أهل العراق يقرءون بقراءة ابن مسعود ، فيأتون بما لم يسمع أهل الشام ، فتكفرهم أهل الشام » . ولم يقتصر الاختلاف في القراءة في غزوة أرمينية على أهل العراق وأهل الشام ، فقد كان أهل كل جند أو مصر منهم يعتقدون أن قراءتهم أصح القراءات وأعلاها ، ادعى ذلك أهل حمص ، ونافسهم فيه أهل دمشق ، وادعاه أيضا أهل الكوفة ، ونافسهم فيه أهل البصرة ، قال ابن الأثير في ذكر غزو حذيفة وأمر المصاحف : « فيها صرف حذيفة عن غزو الري إلى غزو الباب مددا لعبد الرحمن بن ربيعة ، وخرج معه سعيد بن العاص ، فبلغ معه أذربيجان ، وكانوا يجعلون الناس ردءا ، فأقام حتى عاد حذيفة ثم رجعا . فلما عاد حذيفة قال لسعيد بن العاص : لقد رأيت في سفرتي هذه أمرا لئن ترك الناس ليختلفن في القرآن ، ثم لا يقومون عليه أبدا ، قال : وما ذاك ؟ قال : رأيت أناسا من أهل حمص يزعمون أن قراءتهم خير من قراءة غيرهم ، وأنهم أخذوا القرآن عن المقداد . ورأيت أهل دمشق يقولون : إن قراءتهم خير من قراءة غيرهم ، ورأيت أهل الكوفة يقولون مثل ذلك ، وأنهم قرءوا على ابن مسعود ، ورأيت أهل البصرة يقولون مثل ذلك ، وأنهم قرءوا على أبي موسى ، ويسمون مصحفه لباب القلوب » « 1 » .
--> ( 1 ) تفسير الطبري ( 1 / 62 ) ، والكامل في التاريخ ( 3 / 111 ) .