محمد بن عبد الله بن علي الخضيري

34

تفسير التابعين

2 - التفسير في مراحله الأولى نزل القرآن الكريم على نبيّ أميّ ، وقوم أميين ، نزل بلغة العرب ، وعلى أساليب بلاغتهم ، فكانوا يفهمون القرآن ، ويدركون معانيه ومراميه بمقتضى سليقتهم العربية ، فهما لا تعكره عجمة ولا يشوبه تكدير ، وكانوا يعلمون ظواهره ، وأحكامه ، ومن هنا جاء قول ابن خلدون : إن القرآن نزل على العرب بلغتهم ، فكانوا كلهم يفهمونه ، ويعلمون معانيه وتراكيبه . ثم يقرر بعد ذلك أن في القرآن إشارات لم يتح لكثير من العرب أن يفهموها ، ومن هنا دعت الحاجة إلى فهمها وبيان مراميها « 1 » . ومن المعلوم أن أكثر آيات القرآن واضحة المعنى وخصوصا ما يتعلق بأصول الدين ، وأصول الأحكام ، وهذا النوع يفهمه جمهور المسلمين ، ولا سيما العرب منهم . أما ما كان من الآيات التي يصعب فهمها على عموم المسلمين ، فلا يقف على معناها إلا الراسخون في العلم منهم ، وإمامهم في ذلك المصطفى صلى اللّه عليه وسلم الذي أمر بالبيان وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ « 2 » . ولذا نشأ التفسير بالمأثور ، وكان مقصورا في أول أمره على ما ورد عنه صلى اللّه عليه وسلم ، فكان الصحابة يقرءونه ويتسابقون للعمل بما يعلمون ، وقد يشكل بعضه على أحدهم فيسأل النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ويجيبه النبي صلى اللّه عليه وسلم في سهولة ويسر ، وكانت حياته صلى اللّه عليه وسلم تطبيقا عمليا لأوامر القرآن ونواهيه « 3 » . والمتأمل لعصر النبي صلى اللّه عليه وسلم يجد صدق الإيمان في قلوبهم ، والفهم الخالي من كل شبهة وشهوة ، كل ذلك جعلهم لا يقولون في التفسير إلا ما روي عنه صلى اللّه عليه وسلم توقيفا ، وهذا كان في أول الأمر ، ولما انتقل صلى اللّه عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ، وانتشر الصحابة في الآفاق ، ازدادت الحاجة إلى

--> ( 1 ) دراسات في القرآن ( 111 ) . ( 2 ) سورة النحل : آية ( 44 ) . ( 3 ) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ( 13 / 363 ) .