محمد بن عبد الله بن علي الخضيري
35
تفسير التابعين
علمهم ، فهم أدرى الناس بذلك ، لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختصوا بها ، ولما لهم من الفهم التام ، والعلم الصحيح ، والعمل الصالح ، لا سيما علماؤهم « 1 » . وهم مع فضلهم وسبقهم رضي اللّه عنهم وأرضاهم كانوا يتفاوتون في فهم القرآن ، وبيان معانيه وأسراره ، وذلك راجع إلى اختلافهم في أدوات الفهم ، فمنهم من كان واسع الاطلاع في اللغة ملما بغريبها ، ومنهم من كان دون ذلك ، ومنهم من كان يلازم النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فيعرف من أسباب النزول ما لا يعرفه غيره ، بالإضافة إلى ما بينهم من التمايز في الدرجة العلمية ، والمواهب العقلية « 2 » . يقول مسروق : جالست أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم فوجدتهم كإخاذ - يعني الغدير - فالإخاذ يروي الرجل ، والإخاذ يروي الرجلين ، والإخاذ يروي العشرة ، والإخاذ يروي المائة ، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم « 3 » . ولما فتح اللّه على المسلمين كثيرا من البلاد ، نتج عن ذلك انتقال الصحابة مجاهدين بالسنان ، وباللسان ، فحملوا معهم ما حفظوه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فجلس إليهم كثير من التابعين يأخذون العلم عنهم ، وينقلونه لما بعدهم ، فقامت في هذه الأمصار مدارس علمية ، أساتذتها الصحابة ، وتلاميذها التابعون « 4 » . وقد دخل في هذا الدين عناصر أجنبية على حظ كبير من الحضارة المادية ، وكانوا يستخدمون الكتابة في كثير من شؤون حياتهم ، ويعتمدون عليها في تدوين علومهم ، ولم يألفوا حفظها عن طريق الذاكرة ، من هنا أخذ الموقف يتحرك قليلا ، فبدأنا نرى جماعة من التابعين يكتبون لأنفسهم « 5 » ، وإنما استباحوا ذلك اقتداء بأولئك الصحابة « 6 » الذين أباح لهم
--> ( 1 ) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ( 13 / 363 ) . ( 2 ) التفسير والمفسرون ( 1 / 35 ) . ( 3 ) طبقات ابن سعد ( 2 / 343 ) ، والمعرفة والتاريخ ( 2 / 542 ) . ( 4 ) التفسير والمفسرون ( 1 / 100 ) . ( 5 ) أورد . محمد مصطفى الأعظمي في كتاب دراسات في الحديث النبوي ، الأدلة على أن ( 53 ) من كبار التابعين كتبوا ( 1 / 143 - 167 ) ، وأن ( 99 ) من صغار التابعين كتبوا ( 1 / 144 - 220 ) . ( 6 ) وأورد أيضا الدليل على أن ( 52 ) صحابيا كتبوا ، ينظر كتاب دراسات في الحديث النبوي ( 1 / 92 - 142 ) .